الباحث القرآني

﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً﴾ أيْ إذا نَزَّلْنا آيَةً مِنَ القُرْآنِ مَكانَ آيَةٍ مِنهُ وجَعَلْناها بَدَلًا مِنها بِأنْ نَسَخْناها بِها، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ المُرادَ نَسْخُ اللَّفْظِ والمَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَسْخُ المَعْنى مَعَ بَقاءِ اللَّفْظِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ مِنَ المَصالِحِ فَكُلٌّ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مُنَزَّلٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ فَإنَّ كُلَّ وقْتٍ لَهُ مُقْتَضى غَيْرُ مُقْتَضى الآخَرِ فَكَمْ مِن مَصْلَحَةٍ تَنْقَلِبُ مَفْسَدَةً في وقْتٍ آخَرَ لِانْقِلابِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، ونَرى الطَّبِيبَ الحاذِقَ قَدْ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْهاهُ عَنْها ويَأْمُرُهُ بِضِدِّها، وما الشَّرائِعُ إلّا مَصالِحُ لِلْعِبادِ وأدْوِيَةٌ لِأمْراضِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ فَتَخْتَلِفُ حَسَبَ اخْتِلافِ ذَلِكَ في الأوْقاتِ وسُبْحانَ الحَكِيمِ العَلِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ مَعْنى الِاعْتِراضِ أوْ حالِيَّةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «يَنْزِلُ» مِنَ الإنْزالِ ﴿قالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ الجاهِلُونَ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ، وقَدْ بالَغُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في نِسْبَةِ الِافْتِراءِ إلى حَضْرَةِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ وجَّهُوا الخِطابَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاؤُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِإنَّما، وحِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْهم هاهُنا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ كَفَرَةٌ ناشِئَةٌ مِن نَزَغاتِ الشَّيْطانِ وأنَّهُ ولِيُّهم. وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ ذَكَرِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ أنَّهُ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِهِ يَفْتِنُ بِهِ النّاقِصِينَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِمُ البَداءَ والتَّضادَّ وغَيْرَ ذَلِكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ في التَّبْدِيلِ المَذْكُورِ حِكَمًا بالِغَةً، وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ لِما أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ وإنَّما يُنْكِرُ عِنادًا. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ وهي ساكِتَةٌ عَنْ نَفْيِ نَسْخِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَصَلَ في كُتُبِ الأُصُولِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب