الباحث القرآني

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ﴾ إلَخْ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِهِ لِظاهِرِ كَلامِهِمْ بِصَدَدِ الِاقْتِراحِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا ما تَأْتِيهِمْ بِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ أخْطَأُوا في الِاقْتِراحِ وأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ أعْلى مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ مُطْلَقُ الإتْيانِ الشّامِلِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِ الأمْكِنَةِ المُتَساوِيَةِ إلى الآخَرِ مِنها بَلْ مِنَ الأسْفَلِ إلى الأعْلى وأنْ يَكُونَ مَقْصِدُ حَرَكاتِهِمْ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ وأنْ يَدْخُلُوا تَحْتَ مَلَكُوتِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ وإنَّما الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِمُ النُّزُولُ مِن مَقامِهِمُ العالِي وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْزِيلِ مِن جَنابِ الرَّبِّ الجَلِيلِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ. وقِيلَ: لَعَلَّ هَذا جَوابٌ لِما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِالمَلائِكَةِ مِن سُؤالِ التَّنْزِيلِ رَغْبَةً في إسْلامِهِمْ فَيَكُونُ وجْهُ ذِكْرِ التَّنْزِيلِ ظاهِرًا وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى. ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ مُسْتَثْنًى اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وجُوِّزَ فِيهِ الحالِيَّةُ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِنُنَزِّلُ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأوَّلُ أوْلى ومُقْتَضى الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ عَلى ما قِيلَ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ المُنَزَّلُونَ بِصُوَرِ البَشَرِ وتَنْزِيلُهم كَذَلِكَ يُوجِبُ اللَّبْسَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ وعَدَمِ النَّفْعِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ الضَّرَرِ وتَرَتُّبِ نَقِيضِ المَطْلُوبِ وكَأنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ إلّا بِصُوَرِ الرِّجالِ لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ فَلا يَنْفَعُونَ وما كانُوا إذا أنْزَلْناهم مُنْظَرِينَ أيْ ويَتَضَرَّرُونَ بِتَنْزِيلِهِمْ لِأنّا نُهْلِكُهم لا مَحالَةَ ولا نُؤَخِّرُهم لِأنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَتُنا في الأُمَمِ قَبْلَهم أنّا لَمْ نَأْتِهِمْ بِآيَةٍ اقْتَرَحُوها إلّا والعَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ عَلِمْنا مِنهم ذَلِكَ والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِاقْتِراحِهِمُ الإتْيانَ بِهِمْ وجْهٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِالإشارَةِ إلى عَدَمِ نَفْعِهِ أوَّلًا والتَّصْرِيحِ بِضَرَرِهِ ثانِيًا، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لا يُؤْمِنُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِصُوَرِ البَشَرِ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ، وفي النَّفْسِ مِن هَذا ومِمّا قَبْلَهُ شَيْءٌ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ مِمّا تَقْتَضِيهِ (p-14)الحِكْمَةُ وتَجْرِي بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ، والَّذِي اقْتَرَحُوهُ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ لَدَيْهِمْ وهُمْ- هُمْ- ومَنزِلَتُهم في الحَقائِقِ مَنزِلَتُهم مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ والحِكْمَةِ أصْلًا فَإنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّنْزِيلِ بِالوَحْيِ الَّذِي لا يَكادُ يُفْتَحُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أفْرادِ كُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ عَلى أمْثالِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ اللِّئامِ، وإنَّما الَّذِي يَدْخُلُ في حَقِّهِمْ تَحْتَ الحِكْمَةِ في الجُمْلَةِ هو التَّنْزِيلُ لِلتَّعْذِيبِ والِاسْتِئْصالِ كَما فُعِلَ بِأضْرابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لاسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ وما كانُوا إذًا مُؤَخَّرِينَ كَدَأْبِ سائِرِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُسْتَهْزِئَةِ، ومَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ قَدْ جَرى قَلَمُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَسْبَما أُجْمِلَ في الآياتِ قَبْلُ، وحالَ حائِلُ الحِكْمَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ اسْتِئْصالِهِمْ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِازْدِيادِهِمْ عَذابًا وبِإيمانِ بَعْضِ ذَرارِيِّهِمْ، ونَظْمُ إيمانِ بَعْضِهِمْ في سَمْطِ الحِكْمَةِ يَأْباهُ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ- فَما كانُوا- إلَخْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ أنْزَلْناهم ما كانُوا إلَخْ. واعْتُرِضَ بِأنَّ الأوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ لِمِثْلِ غَرَضِهِمْ كَوْنَهم بِصُوَرِ الرِّجالِ وذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ التَّنْزِيلِ بِالوَحْيِ الَّذِي لا يَكادُ يَكُونُ لَهم أصْلًا فَلا يَتِمُّ كَلامُهُ، وفِيهِ بَحْثٌ كَما لا يَخْفى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ الحَقِّ هُنا بِالرِّسالَةِ والعَذابِ، ووُجِّهَتِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ نَحْوَ هَذا التَّوْجِيهِ فَقِيلَ: المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالرِّسالَةِ والعَذابِ ولَوْ نَزَّلْناهم عَلَيْهِمْ ما كانُوا مُنْظَرِينَ لِأنَّ التَّنْزِيلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّنْزِيلُ بِالعَذابِ، وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ الِاقْتِصارَ عَلى الرِّسالَةِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى العَذابِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ الَّذِي هو المَوْتُ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَقُّ ما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والمَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ واجِبٍ مِن وحْيٍ ومَنفَعَةٍ لا بِاقْتِراحِكُمْ، وأيْضًا لَوْ نَزَّلْنا لَمْ تَنْظُرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ لِأنَّ عادَتَنا إهْلاكُ الأُمَمِ المُقْتَرِحَةِ إذا آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوهُ، وفِيهِ ما فِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى إلّا تَنَزُلًا مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم عِيانًا تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإنْزالَ بِصُوَرِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ، ومِنهُ أخَذَ صاحِبُ القِيلِ المَذْكُورِ أوَّلًا قِيلَهُ. والبَيْضاوِيُّ جَعَلَ المُنافِيَ لِلْحِكْمَةِ إنْزالَهم بِصُوَرِ البَشَرِ حَيْثُ قالَ: لا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم بِصُوَرٍ تُشاهِدُونَها فَإنَّهُ لا يَزِيدُكم إلّا لَبْسًا. وقالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ أنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ وحُصُولِ الفائِدَةِ بِإنْزالِهِمْ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَيَصِيرُ إنْزالُهم عَبَثًا باطِلًا ولا يَكُونُ حَقًّا، وتَعَقَّبَ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ البَعْضُ مِنَ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ مَعَ إخْلالِ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِفَظِيعَةِ الآتِي لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن تَكَلَّفَ لِتَوْجِيهِ اللُّزُومِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ بِما تَكَلَّفَ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ مِنَ الحَقِّ الهَلاكَ والجُمْلَةُ بَعْدَ جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَكَأنَّهُ لِما قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالهَلاكِ إذْ هو الَّذِي يَحِقُّ لِأمْثالِهِمْ مِنَ المُعانِدِينَ قِيلَ: فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلْنا ما كانُوا مُنْظَرِينَ أيْ وهم قَدْ كانُوا مُنْظَرِينَ كَما أُجْمِلَ فِيما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وحاصِلُ الجَوابِ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ أنَّ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ لِيَشْهَدُوا بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ مِمّا لا يَكُونُ لَهم لِأنَّ ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُنا وجَرَتْ بِهِ عادَتُنا مَعَ أمْثالِهِمْ لَيْسَ إلّا التَّنْزِيلُ بِالهَلاكِ دُونَ الشَّهادَةِ فَإنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِيهِ والعادَةُ لَمْ تَجْرِ فِيهِ لِأنَّهُ إنْ كانَ والمَلائِكَةُ بِصُوَرِهِمُ (p-15)الحَقِيقِيَّةِ لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ بِالغَيْبِ ولَمْ يَتَحَقَّقِ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو مَدارُ التَّكْلِيفِ وإنْ كانَ وهم بِصُوَرِ البَشَرِ حَصَلَ اللَّبْسُ فَكانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، ويُمْنَعُ مِنَ التَّنْزِيلِ بِالهَلاكِ كَما فُعِلَ مَعَ أضْرابِهِمْ مِنَ المُعانِدِينَ أنّا جَعَلْناهم مُنْظَرِينَ فَلَوْ نَزَّلْنا المَلائِكَةَ وأهْلَكْناهم عادَ ذَلِكَ بِالنَّقْضِ لِما أبْرَمْناهُ حَسْبَما نَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ، وقِيلَ: في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اقْتِراحِهِمْ لِإتْيانِ المَلائِكَةِ لِتَعْذِيبِهِمْ: إنَّ المَعْنى إنّا ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ لِلتَّعْذِيبِ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ولَوْ نَزَّلْناهم حَسْبَما اقْتَرَحُوا ما كانَ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِما تَقْتَضِيهِ لِأنَّها اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وحَيْثُ كانَ في نِسْبَةِ تَنْزِيلِهِمْ لِلتَّعْذِيبِ إلى عَدَمِ مُوافَقَةِ الحِكْمَةِ نَوْعُ إيهامٍ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ التَّعْذِيبَ عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَزَّلْناهم ما كانُوا مُنْظَرِينَ وذَلِكَ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، هَذا ولَفْظَةُ ( إذًا ) قالَ في الكَشّافِ: جَوابٌ وجَزاءٌ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لَهم وجَزاءٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ نَزَّلَنا، وصَرَّحَ بِإفادَتِها هَذا المَعْنى سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّ الشُّلُوبِينَ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الدَّوامِ وتَكَلَّفَ لَهُ، وأبُو عَلِيٍّ عَلى الغالِبِ، وقَدْ تَتَمَحَّضُ لِلْجَوابِ عِنْدَهُ، وهي حَرْفٌ بَسِيطٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها اسْمُ ظَرْفٍ وأصْلُها إذا الظَّرْفِيَّةُ لَحِقَها التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها ونُقِلَتْ إلى الجَزائِيَّةِ فَبَقِيَ فِيها مَعْنى الرَّبْطِ والسَّبَبِ وذَهَبَ الخَلِيلُ إلى أنَّها حَرْفٌ تَرَكَّبَ مِن إذْ وإنْ وغَلَبَ عَلَيْها حُكْمُ الحَرْفِيَّةِ ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الذّالِ ثُمَّ حُذِفَتْ والتُزِمَ هَذا النَّقْلُ فَكانَ المَعْنى إذا قالَ القائِلُ أزُورُكَ فَقُلْتَ إذًا أزُورُكَ قُلْتُ حِينَئِذٍ زِيارَتِي واقِعَةٌ ولا يُتَكَلَّمُ بِهَذا. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ الزَّيْدِيُّ إلى أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن إذا وإنْ وكِلاهُما يُعْطِي ما يُعْطِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما فَيُعْطِي الرَّبْطَ كَإذا والنَّصْبَ كانَ ثُمَّ حُذِفَتْ هَمْزَةُ إنْ ثُمَّ ألِفُ إذا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ في الكَلامِ شَرْطٌ كانَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا﴾ إلَخْ، ونُقِلَ عَنَ الكافِيجِيِّ أنَّهُ قالَ في مِثْلِ ذَلِكَ: لَيْسَتْ إذًا هَذِهِ الكَلِمَةَ المَعْهُودَةَ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي تُضافُ إلَيْها وعَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمِئِذٍ، ولَهُ سَلَفٌ في ذَلِكَ فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ: لِإذا مَعْنَيَيْنِ وذَكَرَ لَها بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مَعْنًى ثالِثًا وهو أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن إذا الَّتِي هي ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ ومِن جُمْلَةٍ بَعْدِها تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا لَكِنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا وأُبْدِلَ مِنها التَّنْوِينُ كَما في قَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ لِأنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ وهَذِهِ لا بَلْ تَدْخُلُ عَلى الماضِي نَحْوَ ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ﴾ وعَلى الِاسْمِ نَحْوَ ﴿وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: وهَذا المَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ لَكِنَّهُ قِياسُ ما قالُوهُ في إذْ، وفي التَّذْكِرَةِ لِأبِي حَيّانَ ذَكَرَ لِي عَلَمُ الدِّينِ أنَّ القاضِيَ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ رَزِينٍ كانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ تَنْوِينَ إذًا عِوَضٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ ولَيْسَ قَوْلَ نَحْوِيٍّ، وقالَ الجَوْنِيُّ: وأنا أظُنُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِمَن قالَ: أنا آتِيكَ إذًا أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إذا أتَيْتَنِي أُكْرِمُكَ فَحُذِفَتْ أتَيْتَنِي وعَوَّضَتِ التَّنْوِينُ فَسَقَطَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والنَّصْبُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ النُّحاةُ لِحَمْلِها عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى وهو لا يَنْفِي الرَّفْعَ إذا أُرِيدَ بِها ما ذُكِرَ. وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ الإجْماعَ في القُرْآنِ عَلى كِتابَتِها بِالألِفِ والوَقْفِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها اسْمٌ مُنَوَّنٌ لا حَرْفٌ آخِرُهُ نُونٌ خُصُوصًا إذا لَمْ تَقَعْ ناصِبَةً لِلْمُضارِعِ، فالصَّوابُ إثْباتُ هَذا المَعْنى لَها كَما جَنَحَ إلَيْهِ شَيْخُنا الكافِيجِيُّ ومَن سَبَقَ النَّقْلُ عَنْهُ، وعَلى هَذا فالأوْلى حَمَلُها في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما مَضى بَعْضًا مِن هَذا الكَلامِ فَتَذَكَّرْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ إنْكارَهُمُ التَّنْزِيلَ واسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَلّاهُ (p-16)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ أيْ نَحْنُ بِعَظْمِ شَأْنِنا وعُلُوِّ جانِبِنا نَزَّلْنا الَّذِي أنْكَرُوهُ وأنْكَرُوا نُزُولَهُ عَلَيْكَ وقالُوا فِيكَ لادِعائِهِ ما قالُوا وعَمِلُوا مُنَزِّلَهُ حَيْثُ بَنَوُا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إيماءً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا مَصْدَرَ لَهُ وفِعْلٌ لا فاعِلَ لَهُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِن كُلِّ ما يَقْدَحُ فِيهِ كالتَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى إنَّ الشَّيْخَ المَهِيبَ لَوْ غَيَّرَ نُقْطَةً يَرُدُّ عَلَيْهِ الصِّبْيانُ ويَقُولُ لَهُ مَن كانَ: الصَّوابُ كَذا ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اسْتِهْزاءُ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَعْنى حِفْظِهِ مِن ذَلِكَ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِيهِ وذَبُّهُ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: حِفْظُهُ بِإبْقاءِ شَرِيعَتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ حِفْظُهُ بِالإعْجازِ في كُلِّ وقْتٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كُلِّ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ وتَحْرِيفٍ وتَبْدِيلٍ، ولَمْ يَحْفَظْ سُبْحانَهُ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ كَذَلِكَ بَلِ اسْتَحْفَظَها جَلَّ وعَلا الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ فَوَقَعَ فِيها ما وقَعَ وتَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا أوَّلًا وآخِرًا، وإلى هَذا أشارَ في الكَشّافِ ثُمَّ سَألَ بِما حاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ لَمّا كانَ مَسُوقًا لِرَدِّهِمْ وقَدْ تَمَّ الجَوابُ بِالأوَّلِ فَما فائِدَةُ التَّذْيِيلِ بِالثّانِي؟ وإنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِإثْباتِ مَحْفُوظِيَّةِ الذِّكْرِ أوَّلًا وآخِرًا، وأجابَ بِأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وأُدْمِجَ فِيهِ المَعْنى المَذْكُورُ أما ما هو أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى آيَةً، فالأوَّلُ وإنْ كانَ رَدًّا كانَ كَمُجَرَّدِ دَعْوى فَقِيلَ ولَوْلا أنَّ الذِّكْرَ مِن عِنْدِنا لَما بَقِيَ مَحْفُوظًا عَنِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ كَما سِواهُ مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَظْمَهُ لَمّا كانَ مُعْجِزًا لَمْ يُمْكِنْ زِيادَةٌ عَلَيْهِ ولا نَقْصٌ لِلْإخْلالِ بِالإعْجازِ كَذا في الكَشْفِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى وجْهِ العَطْفِ وهو ظاهِرٌ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإعْجازَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِحِفْظِهِ عَنْ إسْقاطِ بَعْضِ السُّوَرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخِلُّ بِالإعْجازِ كَما لا يَخْفى، فالمُخْتارُ أنَّ حِفْظَ القُرْآنِ وإبْقاءَهُ كَما نَزَلَ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِالإعْجازِ وغَيْرِهِ مِمّا شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ومِن ذَلِكَ تَوْفِيقُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِجَمْعِهِ حَسْبَما عَلِمْتَهُ أوَّلَ الكِتابِ. واحْتَجَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ بَعْضٍ مِنَ الإمامِيَّةِ لا يُعْبَأُ بِهِمْ إنَّ القُرْآنَ قَدْ دَخَلَهُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، وضَعَّفَهُ الإمامُ بِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ لِأنَّ لِلْقائِلِينَ بِذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ الزَّوائِدِ ودَعْوى الإعْجازِ في هَذا المِقْدارِ لا بُدَّ لَها مِن دَلِيلٍ. واحْتَجَّ بِها القائِلُونَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ وهي ظاهِرَةٌ فِيهِ ومِنِ العَجَبِ ما نَقَلَهُ عَنْ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ: قالَ أصْحابُنا في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَ حِفْظَ القُرْآنِ والحِفْظُ لا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يَبْقى مَصُونًا مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ البَسْمَلَةُ آيَةً مِنَ القُرْآنِ لَما كانَ مَصُونًا عَنِ التَّغْيِيرِ ولَما كانَ مَحْفُوظًا عَنِ الزِّيادَةِ، ولَوْ جازَ أنْ يُظَنَّ بِالصَّحابَةِ أنَّهم زادُوا لَجازَ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم نَقَّصُوا وذَلِكَ يُوجِبُ خُرُوجَ القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً اه، ولَعَمْرِي إنَّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ هَذا بِالخَبالِ أوْلى مِن تَسْمِيَتِهِ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا يَخْفى ما في سَبْكِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ وعَلى فَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقَدِ اشْتَمَلَتا عَلى عِدَّةٍ مِن وُجُوهِ التَّأْكِيدِ ( ونَحْنُ ) لَيْسَ فَصْلًا لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ اسْمَيْنِ وإنَّما هو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، ويُعْلَمُ مِمّا قَرَّرْنا أنَّ ضَمِيرَ ( لَهُ ) لِلذِّكْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والأكْثَرُونَ وهو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ وذَهَبَ إلَيْهِ النَّزْرُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ أيْ وإنّا لِلنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ لَحافِظُونَ مِن مَكْرِ المُسْتَهْزِئِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وأُخِّرَ هَذا الجَوابُ مَعَ أنَّهُ رَدٌّ لِأوَّلِ كَلامِهِمُ الباطِلِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِارْتِباطِهِ (p-17)بِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب