الباحث القرآني

﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ فَيَمْتَرُونَ ويَشُكُّونَ ويُكَذِّبُونَكَ فِيهِ، قَدْ قَشَرُوا العَصا وبَيَّنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلِيَّةَ الأمْرِ فَأنّى يَعْتَرِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ المَساءَةُ وضِيقُ الذَّرْعِ قالَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وهو كَلامٌ مَعْقُولٌ. وجُعِلَ ( بَلْ ) إضْرابًا عَمّا حَسِبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَرْكِ النُّصْرَةِ لَهُ والمَعْنى (p-68)ما خَذَلْناكَ وما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَهم بَلْ جِئْناكَ بِما يُدَمِّرُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَكَ فِيهِ حِينَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ. وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ فُسِّرَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِما سَمِعْتَ إضْرابًا عَنْ مُوجِبِ الخَوْفِ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى ما جِئْناكَ بِما تَنَكَّرْنا لِأجْلِهِ بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ فَرَحُكَ وسُرُورُكَ وتَشَفِّيكَ مِن عَدُوِّكَ وهو العَذابُ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ، ولَمْ يَقُولُوا- بِعَذابِهِمْ- مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الِاسْتِئْناسَ مِن وجْهَيْنِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ وتَحَقُّقِ صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما كانَ يُكابِدُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ. قِيلَ: وقَدْ كَنّى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ خَوْفِهِ ونِفارِهِ بِأنَّهم مُنْكَرُونَ فَقابَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكِنايَةٍ أحْسَنَ وأحْسَنَ. ولا يَمْتَنِعُ فِيما أرى حَمْلُ الكَلامِ عَلى الكِنايَةِ عَلى ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ أيْضًا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ المُجادَلَةِ- كَما قالَ- لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ بِشارَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإهْلاكِ قَوْمِهِ المُجْرِمِينَ وتَنْجِيَةِ آلِهِ عُقَيْبَ ذِكْرِ بِشارَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ مُسْتَدْعِيًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّجاةِ وتَرْتِيبِ مَبادِيها أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا ثُمَّ ذُكِرَ فِعْلُ القَوْمِ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمْ يُبالِ بِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ثِقَةً بِمُراعاتِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ونِسْبَةُ المُجِيبِ بِالعَذابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ نازِلٌ بِالقَوْمِ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ كَأنَّهم جاؤُوهُ بِهِ وفَوَّضُوا أمْرَهُ إلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ، وجُوِّزَ الوَجْهانِ في الباءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ المُحَقَّقِ المُتَيَقَّنِ الَّذِي لا مَجالَ لِلِامْتِراءِ والشَّكِّ فِيهِ وهو عَذابُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الِامْتِراءِ عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ( بِالحَقِّ ) الإخْبارُ بِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ أتَيْناكَ فِيما قُلْنا بِالخَبَرِ الحَقِّ أيِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ وإنّا لَصادِقُونَ في ذَلِكَ الخَبَرِ أوْ في كُلِّ خَبَرٍ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْكِيدًا إثْرَ تَأْكِيدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، ولا يَخْفى حالُهُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب