الباحث القرآني

﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ والمُرادُ بِالعِبادِ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ الِاسْتِثْناءِ في الإسْراءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِبادِ العُمُومُ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والكَلامُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَغْيِيرُ الوَضْعِ لِتَعْظِيمِ المُخْلَصِينَ بِجَعْلِهِمْ هُمُ الباقِينَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن جَوَّزَ اسْتِثْناءَ الأكْثَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ والسِّيرافِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ خَرُوفٍ والشُّلُوبِينَ وابْنُ مالِكٍ وأجازَ هَؤُلاءِ أيْضًا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيَّةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ كَوْنُ المُسْتَثْنى قَدْرَ نِصْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ أكْثَرَ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والآمِدِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وذَهَبَ البَعْضُ الآخَرُ مِن عُلَماءِ البَلَدَيْنِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَخْرَجُ النِّصْفَ فَما دُونَهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ، واتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وكَذا الأُصُولِيُّونَ عِنْدَ الإمامِ. والآمِدِيُّ خِلافًا لِما اقْتَضاهُ نَقْلُ القَرافِيِّ عَنِ المَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ عَنِ الفَرّاءِ جَوازَ لَهُ عَلى ألْفٍ إلّا ألْفَيْنِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ عَدَدًا صَرِيحًا يَمْتَنِعُ فِيهِ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ والأكْثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ صَرِيحٍ لا يَمْتَنِعانِ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في الأُصُولِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ: المُسْتَقْرَأُ مِن كَلامِ العَرَبِ إنَّما هو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ وجَمِيعُ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ مُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَدْفَعُ مَعَ ما تَقَدَّمَ (p-52)قَوْلَ مَن شَرَطَ الأقَلَّ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ لِأنَّ اسْتِثْناءَ الغاوِينَ هُنا يَسْتَلْزِمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن جِنْسِ العِبادِ، واسْتِثْناءُ المُخْلَصِينَ هُناكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ الغاوِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ أقَلَّ مِن نَفْسِهِ وهو كَما تَرى. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ هُنا جِنْسُ العِبادِ الشّامِلُ لِلْمُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفَ ولا شَكَّ أنَّ الغاوِينَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ وهُمُ المُخْلَصُونَ ومَن ماتَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ هُناكَ المُكَلَّفُونَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُعْقَلُ حَمْلُهم عَلى الغَوايَةِ والضَّلالِ إذْ غَيْرُ المُكَلَّفِ لا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِذَلِكَ والمُخْلَصُونَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ أيْضًا ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ الِادِّعائِيَّتَيْنِ تَكْفِيانِ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ في آخِرِ قِسْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَذا لا تَقُولُ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفٌ إلّا تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ إلّا وأنْتَ تُنْزِلُ ذَلِكَ الواحِدَ مَنزِلَةَ الألْفِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ الخِطابِيَّةِ مَعَ أنَّهُ مِمَّنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ الباقِي اه، وظاهِرُ كَلامِ الأُصُولِيِّينَ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الجِنْسِ أيْضًا ويَكُونُ الكَلامُ تَكْذِيبًا لِلْمَلْعُونِ فِيما أوْهَمَ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَن لَيْسَ بِمُخْلَصٍ مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ مُنْتَهى قُدْرَتِهِ أنْ يَغُرَّهم ولا يَقْدِرَ عَلى جَبْرِهِمْ عَلى اتِّباعِهِ كَما قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ . فَحاصِلُ المَعْنى أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقَهْرٌ بَلْ أطاعُوكَ في الإغْواءِ واتَّبَعُوكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ولا يَضُرُّ في الِانْقِطاعِ دُخُولُ الغاوِينَ في العِبادِ بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّ المُعْتَبَرَ في الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ الحُكْمُ، ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَصْدِيقًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في صَرِيحِ الِاسْتِثْناءِ وتَكْذِيبًا في جَعْلِ الإخْلاصِ عِلَّةً لِلْخَلاصِ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ فَإنَّ الصِّبْيانَ والمَجانِينَ خَلَصُوا مِن إغْوائِهِ مَعَ فَقْدِ هَذِهِ العِلَّةِ. (ومِن) عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لِبَيانِ الجِنْسِ أيِ الَّذِينَ هُمُ الغاوُونَ. واسْتَدَلَّ الجَبائِيُّ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى العِبادِ عَلى رَدِّ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُهُ صَرْعُ النّاسِ وإزالَةُ عُقُولِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في إنْكارِ المُعْتَزِلَةِ تَخَبُّطَ الشَّيْطانِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب