الباحث القرآني
﴿ذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم وقَدِ اسْتَغْنى غالِبًا عَنْ ماضِيهِ بِماضِيهِ وجاءَ قَلِيلًا وذَرْ، وفي الحَدِيثِ ««ذَرُوا الحَبَشَةَ ما وذَرُوكم»».
والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ إذْ لَمْ تَنْفَعُهُمُ النَّصِيحَةُ وِالإنْذارُ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلِّهِمْ وشَأْنَهم ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ بِدُنْياهُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إيذانٌ بِأنَّ تَمَتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمَتُّعِ البَهائِمِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، والفِعْلُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وأشارَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في تَخْلِيَتِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَأْمُرَهم بِما لا يَزِيدُهم إلّا نَدَمًا، ووَجَّهَهُ المُدَقِّقُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أُرِيدَ الأمْرُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ جَعَلَ أكْلَهم وتَمَتُّعَهُمُ الغايَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّخْلِيَةِ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ إنْ صَحَّ الأمْرُ بِها كانَتْ مَأْمُورًا بِها بِنَفْسِ الأمْرِ وأبْلَغَ مِن صَرِيحِهِ فَإذا قُلْتَ: لازِمْ سُدَّةَ العالِمِ تَعَلَّمْ مِنهُ ما يُنْجِيكَ في الآخِرَةِ كانَ أبْلَغَ مِن قَوْلِكَ: لازِمْ وتَعَلَّمْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الأمْرَ وسِيلَةَ الثّانِي فَهو أشَدُّ مَطْلُوبِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَصِحَّ جُعِلْتَ مَأْمُورًا بِها مَجازًا كَقَوْلِكَ: أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ، وما نَحْنُ فِيهِ لَمّا جَعَلَ غايَةَ الأمْرِ عَلى التَّجَوُّزِ صارَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى ما أرْشَدْتُ إلَيْهِ اه، وهو مِنَ النَّفاسَةِ بِمَكانٍ، وظَنَّ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ مِن تَقْدِيرِ لامِهِ، قَبْلَ الفِعْلِ مِن بَعْضِ الأمْرِ، وما في البَحْرِ مِن أنَّهُ إذا جَعَلَ ﴿ذَرْهُمْ﴾ أمْرًا بِتَرْكِ نَصِيحَتِهِمْ. وشُغْلُ بالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءٌ تَرْكَ نَصِيحَتَهم أمْ لا وُقُوفَ في ساحِلِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن غاصَ في لُجَّةِ المَعانِي فاسْتَخْرَجَ دُرَرَ الأسْرارِ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ قِتالِهِمْ وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ ومُوادِعَتِهِمْ ثُمَّ قالَ: ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ جَوابًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ شَغَلَهم بِالقِتالِ ومُصالَتَةِ السُّيُوفِ وإيقاعِ الحُرُوبِ ما هَنَأهم أكْلٌ ولا تَمَتُّعٌ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وهو كَما تَرى.
ثُمَّ المُرادُ عَلى ما قِيلَ دَوامُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ لا إحْداثُ ما ذُكِرَ أوْ تَمَتُّعُهم بِلا اسْتِمْتاعٍ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم والتَّمَتُّعُ كَذَلِكَ أمْرٌ حادِثٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم فَتَأمَّلْ ﴿ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ ويَشْغَلُهُمُ التَّوَقُّعُ لِطُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الأوْطارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ وأنْ لا يُلْقُوا إلّا خَيْرًا في العاقِبَةِ والمَآلِ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَصِيرُونَ إلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ أوْ حَقِيقَةَ الحالِ الَّتِي ألْجَأتْهم إلى التَّمَنِّي.
وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ عِلْمُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ سَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ والسَّبْيِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وهَذا كَما قِيلَ مَعَ كَوْنِهِ وعِيدًا أيُّما وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ غَبَّ تَهْدِيدٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْكِ، وفِيهِ إلْزامُ الحُجَّةِ ومُبالَغَةٌ في الإنْذارِ إذْ لا يَتَحَقَّقُ الأمْرُ بِالضِّدِّ حَسْبَما عَلِمْتَ إلّا بَعْدَ تَكَرُّرِ الإنْذارِ وتَقَرُّرِ الجُحُودِ والإنْكارِ ومَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ، وكَذَلِكَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأكْلِ وما بَعْدَهُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّلَذُّذَ والتَّنَعُّمَ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ والتَّأهُّبِ لَها لَيْسَ مِن أخْلاقِ مَن يَطْلُبُ النَّجاةَ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ: ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ.
(p-10)وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ لا أعْلَمُهُ إلّا رَفْعَهُ قالَ: «صَلاحُ أوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ واليَقِينِ ويَهْلَكُ آخِرُها بِالبُخْلِ والأمَلِ».
وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أخْشى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ طُولَ الأمَلِ واتِّباعَ الهَوى فَإنَّ طُولَ الأمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ واتِّباعَ الهَوى يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ.
{"ayah":"ذَرۡهُمۡ یَأۡكُلُوا۟ وَیَتَمَتَّعُوا۟ وَیُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











