الباحث القرآني
﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ قُمْصانُهم جَمْعُ سِرْبالٍ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ هو ما يُحْلَبُ مِن شَجَرِ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ وتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجُرْبَ بِما فِيهِ مِنَ الحِدَّةِ الشَّدِيدَةِ وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى الجَوْفِ وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ يُسْرِعُ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ أسْرَعُ الأشْياءِ اشْتِعالًا وفي التَّذْكِرَةِ أنَّهُ نَوْعانِ غَلِيظٌ بَرّاقٌ حادُّ الرّائِحَةِ ويُعْرَفُ بِالبَرْقِيِّ ورَقِيقٌ كَمِدٌ ويُعْرَفُ بِالسّائِلِ والأوَّلُ مِنَ الشِّرْبِينِ خاصَّةً والثّانِي مِنَ الأرْزِ والسِّدْرِ ونَحْوِهِما والأوَّلُ أجْوَدُ وهو حارٌّ يابِسٌ في الثّالِثَةِ أوِ الثّانِيَةِ وذُكِرَ في الزِّفْتِ أنَّهُ مِن أشْجارٍ كالأرْزِ وغَيْرِهِ وأنَّهُ إنْ سالَ بِنَفْسِهِ يُقالُ زِفْتٌ وإنْ كانَ بِالصِّناعَةِ فَقَطِرانٌ ويُقالُ فِيهِ: قَطّانٌ بِوَزْنِ سَكْرانَ.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ بِهِ وقُطْرانٍ بِوَزْنِ سَرْحانَ ولَمْ نَقِفْ عَلى مَن قَرَأ بِذَلِكَ والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجْرِمِينَ أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ مِن ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ نَفْسِهِ عَلى ما قِيلَ رابِطُها الضَّمِيرُ فَقَطْ كَما في كَلِمَتِهِ فُوهٍ إلى في أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وأيًّا ما كانَ فَفي ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ تُطْلى جُلُودُ أهْلِ النّارِ بِالقَطِرانِ حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ كالسَّرابِيلِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الألْوانُ الأرْبَعَةُ مِنَ العَذابِ لَذْعُهُ وحَرْقُهُ وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ واللَّوْنُ المُوحِشُ والنَّتِنُ (p-257)عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ ذَلِكَ القَطِرانِ وما نُشاهِدُهُ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ فَكانَ ما نُشاهِدُهُ مِنهُما أسْماءَ مُسَمَّياتِها في الآخِرَةِ فَبِكَرَمِهِ العَمِيمِ نُعُوذُ وبِكَنَفِهِ الواسِعِ نَلُوذُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ النَّفْسُ المُتَلَبِّسَةُ بِالمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ كالكُفْرِ والجَهْلِ والعِنادِ والغَباوَةِ بِشَخْصٍ لَبِسَ ثِيابًا مِن زِفْتٍ وقَطِرانٍ ووَجْهُ الشَّبَهِ تَحِلِّي كُلٍّ مِنهُما بِأمْرٍ قَبِيحٍ مُؤْذٍ لِصاحِبِهِ يُسْتَكْرَهُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ ويُسْتَعارُ لَفْظُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِهَذا مِنَ المُساهَلَةِ وهو ظاهِرٌ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا أقْرَبُ ما لا يَكُونُ إلى كَلامِ الصُّوفِيَّةِ وقالَ بَعْضُهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَطِرانُ المَذْكُورُ عَيْنَ ما لابَسُوهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ وجَعَلُوهُ شِعارًا لَهم مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُسْتَجْلِبَةِ لِفُنُونِ العَذابِ قَدْ تَجَسَّدَتْ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِاشْتِدادِ العَذابِ عَصَمَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّشْبِيهَ البَلِيغَ عَلى هَذا عَلى حالِهِ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ مِن ( قَطِرٍ آنٍ ) عَلى أنَّهُما كَلِمَتانِ مُنَوَّنَتانِ أُولاهُما قَطِرٌ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ وهي النُّحاسُ مُطْلَقًا أوِ المُذابُ مِنهُ وثانِيَتُهُما آنٍ بِوَزْنِ عانٍ بِمَعْنى شَدِيدِ الحَرارَةِ.
قالَ الحَسَنُ: قَدْ سُعِّرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ فَتَناهى حَرُّهُ ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ . (50) أيْ تَعْلُوها وتُحِيطُ بِها النّارُ الَّتِي تُسَعَّرُ بِأجْسادِهِمُ المُسَرْبَلَةِ بِالقَطِرانِ وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مَعَ عُمُومِهِ لِسائِرِ أعْضائِهِمْ لِكَوْنِها أعَزَّ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ وأشْرَفَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ولِكَوْنِها مَجْمَعَ الحَواسِّ والمَشاعِرِ الَّتِي لَمْ يَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِن إدْراكِ الحَقِّ وتَدَبُّرِهِ وهَذا كَما تَطَّلِعُ عَلى أفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ ومَحَلُّ المَعْرِفَةِ وقَدْ مَلَؤُوها بِالجَهالاتِ أوْ لِخُلُوِّها كَما قِيلَ: عَنِ القَطِرانِ المُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَشَيانِ النّارِ ووَجْهُ تَخْلِيَتِها عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ لِيَتَعارَفُوا عِنْدَ انْكِشافِ اللَّهَبِ أحْيانًا ويَتَضاعَفُ عَذابُهم بِالخِزْيِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ وقُرِئَ بِرَفْعِ الوُجُوهِ ونَصْبِ ( النّارَ ) كَأنَّهُ جَعَلَ وُرُودَ الوُجُوهِ عَلى النّارِ غَشَيانًا لَها مَجازًا وقُرِئَ ( تَغْشى ) أيْ تَتَغَشّى بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ والجُمْلَةُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ نَصْبٌ عَلى الحالِ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ.
وفِي الكَشْفِ وأفادَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ مُقَرَّنِينَ - سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ – تَغْشى - أحْوالٌ مِن مَفْعُولِ ( تَرى ) جِيءَ بِها كَذَلِكَ لِلتَّرَقِّي ولِهَذا جِيءَ بِالثّانِيَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِأنَّ سَرابِيلَ القَطِرانِ الجامِعَةَ بَيْنَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ أفْظَعُ مِنَ الصَّفْدِ وأمّا تَغْشى فَلِتَجْدِيدِ الِاسْتِحْضارِ المَقْصُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرى﴾ لِأنَّ الثّانِيَ أهْوَلُ والظّاهِرُ أنَّ الثّانِيَيْنِ مُنْقَطِعانِ مِن حُكْمِ الرُّؤْيَةِ لِأنَّ الأوَّلَ في بَيانِ حالِهِمْ في المَوْقِفِ إلى أنْ يُكَبَّ بِهِمْ في النّارِ والأخِيرَيْنِ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِها وكَأنَّ الأوَّلَ حَرَّكَ مِنَ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: وإذا كانَ هَذا شَأْنَهم في المَوْقِفِ فَكَيْفَ بِهِمْ وهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ وأُوثِرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في الثّانِيَةِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ وتَجَدُّدِ الغَشَيانِ حالًا فَحالا وأكْثَرُ المُعْرِبِينَ عَلى عَدَمِ الِانْقِطاعِ
{"ayah":"سَرَابِیلُهُم مِّن قَطِرَانࣲ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











