الباحث القرآني
﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ تَعالى وقِيلَ: لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما هو المُتَبادَرُ والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ تَثْبِيتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ ظَنِّ أنَّ الغَفْلَةَ تَصْدُرُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ .
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ دُمْ عَلى ذَلِكَ وهو مَجازٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ وفِيهِ إيذانٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُسْبانِ واجِبَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ في الغايَةِ حَتّى نَهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ تَعاطِيهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أوِ المَجازِ بِمَرْتَبَتَيْنِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ والمَعْنى لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى يَتْرُكُ عِقابَهم لِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ بَلْ هو مُعاقِبُهم عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً أيْ لا تَحْسَبَنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ وإلى هَذِهِ الأوْجُهِ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ عَدَمُ الدَّوامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ الحُسْبانِ لِيَثْبُتَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وفِي الكَشْفِ الوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّ في إطْلاقِ الغافِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ عَلى المَجازِ رَكَّةٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْها وفي الكِنايَةِ النَّظَرُ إلى المَجْمُوعِ فَلَمْ يَجْسُرِ العاقِلُ عَلَيْهِ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَجازًا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِجَعْلِ عَدَمِ الغَفْلَةِ مَجازًا عَنِ العِلْمِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَجازًا عَنِ الوَعِيدِ غَيْرَ سَدِيدٍ لِعَدَمِ مُنافاةِ إرادَةِ الحَقِيقَةِ.
والأسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن كَوْنِ الخِطابِ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ فَقِيلَ لَهُ: مَن قالَ هَذا فَغَضِبَ وقالَ: إنَّما قالَهُ مَن عَلِمَهُ وقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ في الكَشّافِ فاسْتَظْهَرَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَهُ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى الأوْجُهِ إذْ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا لا يَخْلُو عَنِ التَّسْلِيَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ فَتَأمَّلْ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ عُدَّتْ مُساوِيهِمْ فِيما سَبَقَ (p-245)أوْ جِنْسُ الظّالِمِينَ وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والآيَةُ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مَرْدُودَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا ..﴾ ﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ واخْتارَ جَعْلَها تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَهْدِيدًا لِلظّالِمِينَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ ( ولا تَحْسَبْ ) بِغَيْرِ نُونِ التَّوْكِيدِ ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم مُتَمَتِّعِينَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ أيْ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ تَعالى غافِلًا عَنْ عُقُوبَةِ أعْمالِهِمْ لِما تَرى مِنَ التَّأْخِيرِ إنَّما ذَلِكَ لِأجْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ وإيقاعِ التَّأْخِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّ المُؤَخَّرَ إنَّما هو عَذابُهم قِيلَ: لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ بِيَيانِ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى العَذابِ مُرْصَدُونَ لِأمْرِ ما لا أنَّهم باقُونَ بِاخْتِيارِهِمْ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقَّهم مِنَ العَذابِ هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ وأنْ لا يَبْقى مِنهم في الوُجُودِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤَخَّرَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ العَذابِ وعُنْوانِهِ ولَوْ قِيلَ: إنَّما يُؤَخِّرُ عَذابَهم لَما فُهِمَ ذَلِكَ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ويُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِمْ ( نُؤَخِّرُهم ) بِنُونِ العَظَمَةِ وفِيهِ التِفاتٌ ﴿لِيَوْمٍ﴾ هائِلٍ ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . (42) أيْ تَرْتَفِعُ أبْصارُ أهْلِ المَوْقِفِ فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمُ الظّالِمُونَ المَعْهُودُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا أيْ تَبْقى مَفْتُوحَةً لا تَطْرَفُ كَما قالَ الرّاغِبُ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ وفي البَحْرِ شَخَصَ البَصَرُ أحَدَّ النَّظَرَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ مَكانُهُ والظّاهِرُ أنَّ اعْتِبارَ عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ لِجَعْلِ الصِّيغَةِ مِن شَخَصَ الرَّجُلُ مِن بَلَدِهِ إذا خَرَجَ مِنها فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ القَرارِ فِيها أوْ مِن شَخَصَ بِفُلانٍ إذا ورَدَ عَلَيْهِ ما يُقْلِقُهُ كَما في الأساسِ.
وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الألِفَ واللّامَ عَلى العَهْدِ أيْ أبْصارُهم لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ والظّاهِرُ مِمّا رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: شَخَصَتْ فِيهِ واللَّهُ أبْصارُهم فَلا تَرْتَدُّ إلَيْهِمْ واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ ألْ عَلى العُمُومِ قالَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرِيرُ مَعَ بَعْضِ الصِّفاتِ الآتِيَةِ وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ فِيهِ
{"ayah":"وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا یَعۡمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَۚ إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمۡ لِیَوۡمࣲ تَشۡخَصُ فِیهِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











