الباحث القرآني
﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَمِن كُلِّ مَفْعُولٌ ثانٍ لِآتى و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ وقالَ بَعْضُ الكامِلِينَ: إنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ لا لِلْإحاطَةِ والتَّعْمِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ واعْتُرِضَ عَلى حَمْلِ ( مِن ) عَلى التَّبْعِيضِ دُونَ ابْتِداءِ الغايَةِ بِأنَّهُ يُفْضِي إلى إخْلاءِ لَفْظِ ( كُلِّ ) عَنْ فائِدَةٍ زائِدَةٍ لِأنَّ ( ما ) نَصٌّ في العُمُومِ بَلْ يُوهِمُ إيتاءَ البَعْضِ مِن كُلِّ فَرْدٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ السُّؤالُ ولا وجْهَ لَهُ.
ودُفِعَ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ ( ما ) نَصًّا في العُمُومِ هُنا عُمُومانِ عُمُومُ الأفْرادِ وعُمُومُ الأصْنافِ بِمَعْنى كُلِّ صِنْفٍ صِنْفٌ وهُما مَقْصُودانِ هُنا فالمَعْنى أعْطاكم مِن جَمِيعِ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ سَألْتُمُوهُ فَإنَّ الِاحْتِياجَ بِالذّاتِ إلى النَّوْعِ (p-226)والصِّنْفِ لا لِفَرْدٍ بِخُصُوصِهِ وفَسَّرَ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سَواءٌ سُئِلَ بِالفِعْلِ أمْ لَمْ يُسْألْ فَلا يَنْفِي إيتاءَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ وجَعَلُوا الِاحْتِياجَ إلى الشَّيْءِ سُؤالًا لَهُ بِلِسانِ الحالِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ وسَبِيلُ هَذا السُّؤالِ سَبِيلُ الجَوابِ في رَأْيٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿سَألْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ إيّاهُ ومَنَعَ أبُو حَيّانَ جَوازَ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ تَعالى ويَكُونُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفًا مُسْتَنِدًا بِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَزِمَ اتِّصالُ ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ الرُّتْبَةِ مِن دُونِ اخْتِلافٍ وهو لا يَجُوزُ ولَوْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ لَزِمَ حَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ وقَدْ نَصُّوا عَلى عَدَمِ جَوازِهِ. اهَـ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى جَوازِ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُدَّعِيًا أنَّ مَنعَ اتِّصالِ المُتَحِدَيْنِ رُتْبَةً خاصٌّ فِيما إذا ذُكِرا مَعًا أمّا إذا ذُكِرَ أحَدُهُما وحُذِفَ الآخَرُ فَلا مَنعَ إذِ الِاتِّصالُ حِينَئِذٍ مَحْضُ اعْتِبارٍ وعِلَّةُ المَنعِ لا تَجْرِي فِيهِ وأنَّ مَنعَ حَذْفِ المُنْفَصِلِ خاصٌّ أيْضًا فِيما إذا كانَ الِانْفِصالُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ في قَوْلِكَ: جاءَ الَّذِي أباهُ ضَرَبْتُ إذْ بِالحَذْفِ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ذَلِكَ الغَرَضُ أمّا إذا كانَ لِغَرَضٍ لَفْظِيٍّ كَدَفْعِ اجْتِماعِ المِثْلَيْنِ فَلا مَنعَ إذْ لَيْسَ هُناكَ غَرَضٌ يَفُوتُ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً والكَلامُ في الضَّمِيرِ كَما تَقَدَّمَ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مَسْؤُولِكم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ والحَسَنُ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ وقَتادَةُ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ ونافِعٌ في رِوايَةٍ ( مِن كُلٍّ ) بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً والمَفْعُولُ الثّانِي ﴿مِن كُلِّ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أتاكم مِن كُلِّ غَيْرِ سائِلِيهِ وهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِسُبُوغِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِما لَمْ يَسْألُوهُ مِنَ النِّعَمِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الضَّحّاكِ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ لِما أنَّ القِراءَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ تُخالِفُ القِراءَةَ الأوْلى والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وإنْ فُهِمْ مِنها إيتاءُ ما سَألُوهُ بِطَرِيقِ الأوْلى.
﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم كَما هو الظّاهِرُ.
وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ( نِعْمَةَ ) هُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ يُقالُ: أنْعَمَ إنْعامًا ونِعْمَةً كَما يُقالُ أنْفَقْتُ إنْفاقًا ونَفَقَةً فالنِّعْمَةُ بِمَعْنى الإنْعامِ ولِذا لَمْ تُجْمَعْ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّها اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى المُنْعَمِ بِهِ والمُرادُ بِها الجَمْعُ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تُعُدُّوا نِعَمَ اللَّهِ ﴿لا تُحْصُوها﴾ وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ وما قِيلَ: إنَّ الِاسْتِغْراقَ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ الإضافَةِ بَلْ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ المَخْصُوصَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ يَقْتَضِي صِحَّةَ إرادَتِهِ مِنهُ ولَوْلاهُ تَنافَيا والمُرادُ بِلا تُحْصُوها لا تُطِيقُوا حَصْرَها ولَوْ إجْمالًا فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وأصْلُ الإحْصاءِ العَدُّ بِالحَصى فَإنَّ العَرَبَ كانُوا يَعْتَمِدُونَهُ في العَدِّ كاعْتِمادِنا فِيهِ عَلى الأصابِعِ ولِذا قالَ الأعْشى: .
؎ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
(p-227)ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُطْلَقِ العَدِّ وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ أصْلَهُ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَهُ بِها فَفِيهِ إيذانٌ بِعَدَمِ بُلُوغِ مَرْتَبَةٍ مُعْتَدٍّ بِها مِن مَراتِبِها فَضْلًا عَنْ بُلُوغِ غايَتِها وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ إلّا أنَّهُ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وأوَّلُ الإحْصاءِ بِالحَصْرِ لِئَلّا يَتَنافى الشَّرْطُ والجَزاءُ إذا ثَبَتَ في الأوَّلِ العَدُّ ونُفِيَ في الثّانِي ولَوْ أُوِّلَ ( إنْ تَعُدُّوا ) بِأنْ تُرِيدُوا العَدَّ يَنْدَفِعُ السُّؤالُ عَلى ما قِيلَ أيْضًا والأوَّلُ أوْلى وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: إنَّ المَعْنى إنْ تَشْرَعُوا في عَدِّ أفْرادِ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ تَعالى لا تُطِيقُوا عَدَّها.
وإنَّما أُتِيَ بِإنْ وعَدَمُ العَدِّ مَقْطُوعٌ بِهِ نَظَرًا إلى تَوَهُّمِ أنَّهُ يُطاقُ قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغُ عَلى الأوَّلِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ النِّعْمَةَ الواحِدَةَ لا يُمْكِنُ عَدُّ تَفاصِيلِها لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ مِثالَيْنِ يَسْتَوْضِحُ بِهِما الوُقُوفَ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى ولا يُمْكِنُ أنْ تُسْتَقْصى فَقالَ: الأوَّلُ أنَّ الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ دِماغِيَّةٌ ونُخاعِيَّةٌ والدِّماغِيَّةُ سَبْعَةٌ وقَدِ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحِكَمِ النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ وكُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ تَنْقَسِمُ أيْضًا إلى شُعَبٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأعْضاءِ ولَوْ أنَّ واحِدَةً اخْتَلَّتْ كَيْفًا أوْ وضْعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ ولِكُلٍّ مِنها عَلى كَثْرَتِها حِكَمٌ مَخْصُوصَةٌ وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ فاعْتَبِرْ في نَفْسِهِ ورُوحِهِ فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسامِ وإذا اعْتَبَرْتَ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبَ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والمَعْدِنِ والحَيَوانِ ظَهَرَ لَكَ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا وتَأمَّلَ بِهِ الإنْسانُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ.
الثّانِي أنَّهُ إذا أخَذْتَ لُقْمَةً مِنَ الخُبْزِ لِتَضَعَها في فَمِكَ فانْظُرْ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بَعْدَها فَأمّا الأوَّلُ فاعْرِفْ أنَّها لا تَتِمُّ إلّا إذا كانَ هَذا العالَمُ بِكُلِّيَّتِهِ قائِمًا عَلى الوَجْهِ الأصْوَبِ لِأنَّ الحِنْطَةَ لا بُدَّ مِنها ولا تَنْبُتُ إلّا بِمَعُونَةِ الفُصُولِ وتَرَكُّبِ الطَّبائِعِ وظُهُورِ الأمْطارِ والرِّياحِ ولا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِدَوَرانِ الأفْلاكِ واتِّصالِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَكُونَ الحِنْطَةُ لا بُدَّ لَها مِنَ آلاتِ الطَّحْنِ ونَحْوِهِ وهي لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَوَلُّدِ الحَدِيدِ في أرْحامِ الجِبالِ ثُمَّ تَأمَّلْ كَيْفَ تَكَوَّنَتْ عَلى الأشْكالِ المَخْصُوصَةِ ثُمَّ إذا حَصَلَتْ تِلْكَ الآلاتُ فانْظُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اجْتِماعِ العَناصِرِ حَتّى يُمْكِنَ الطَّبْخُ وأمّا الثّانِي فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ ذَلِكَ حَتّى يُمْكِنَهُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ وأنّى لِلْعُقُولِ بَإدْراكِ كُلِّ ذَلِكَ فَظَهَرَ بِالبُرْهانِ الباهِرِ صِحَّةُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ. اهَـ.
وقالَ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ بَعْدَ كَلامٍ: وإنْ رُمْتَ العُثُورَ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والوُقُوفِ عَلى ما جَلَّ مِنَ السِّرِّ ودَقَّ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ المُمْكِنَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ والمَلَكاتِ الرّائِقَةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ والبَوارِ ومُهاوِي الهَلاكِ والدَّمارِ لَكِنْ يَفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي مِن أنْواعِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ ووُجُودِهِ وسائِرِ الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ (p-228)والنَّفْسانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ التَّعْبِيرِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وتَوْضِيحُهُ أنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ الوُجُودَ ابْتِداءً لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المُبْدِئِ الأوَّلِ عَزَّ شَأْنُهُ وجَلَّ فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يُسْنَدْ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ والدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ.
وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنْ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ وشَرائِطُهُ وإنْ وجَبَ كَوْنُها مُتَناهِيَةً لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ لَكِنَّ الأُمُورَ العَدَمِيَّةَ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وإنَّما الِاسْتِحالَةُ في دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ وارْتِفاعُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى أعْنِي بَقاءَها عَلى العَدَمِ مَعَ إمْكانِ وُجُودِها في أنْفُسِها في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ وُجُودِهِ نَعَمْ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ حَقِيقَةً لا ادِّعاءً وكَذا الحالُ في وجُوداتِ عِلَلِهِ وشَرائِطِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ ابْتِداءً وبَقاءً وكَذا في كَمالاتِهِ التّابِعَةِ لِوُجُودِهِ. اهَـ. ويَتَراءى مِنهُ أنَّهُ قَدْ تَرَكَ الإمامُ في تَحْقِيقِ هَذا المَقامِ وراءَهُ وأنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ لافْتَدى بِهِ في ذِكْرِهِ ولَعَدَّ مِنَ النِّعَمِ اقْتِداءَهُ وقَرِيبٌ مِنهُ ما يُقالُ في بَيانِ عَدَمِ تَناهِي النِّعَمِ: إنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ وكَذا كَلُّ ما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ وذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى وُجُودِهِ تَعالى في الأزْمِنَةِ المَوْهُومَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ وتَحَقُّقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ فَتَحَقُّقُهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ آنٍ مِن تِلْكَ الآناتِ نِعْمَةٌ فالنِّعَمُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ولَكَ أنْ تَقُولَ في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّهُ ما مِن إنْسانٍ إلّا وقَدْ دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ البَلايا ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الحَصْرِ لِأنَّ البَلايا الدّاخِلَةَ تَحْتَ حَيْطَةِ الإمْكانِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ولا شَكَّ أنَّ دَفْعَ كُلِّ بَلِيَّةٍ نِعْمَةٌ فَتَكُونُ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ ومِمّا يُوَضِّحُ عَدَمَ تَناهِي البَلايا المُمْكِنَةِ أنَّ أهْلَ النّارِ المُخَلَّدِينَ فِيها لا زالَ عَذابُهم بِازْدِيادٍ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ أنَّهم كُلَّما اسْتَغاثُوا مِن نَوْعٍ مِنَ العَذابِ أُغِيثُوا بِأشَدَّ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ مِنهُ مُتَناهِيًا في الشِّدَّةِ وإنْ كانَتْ مَراتِبُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ العَدَدِ والمُدَّةِ وعَلى هَذا نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى المُبْتَلى أيْضًا لا تُحْصى.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ النّارِ مِنَّةً فَلَوْ شاءَ أنْ يُعَذِّبَهم بِأشَدَّ مِنَ النّارِ لَعَذَّبَهم ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ مَعْناها اللُّغَوِيُّ أعْنِي الأمْرَ المُلائِمَ لا المَعْنى الشَّرْعِيُّ أعْنِي المُلائِمَ الَّذِي تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ إذْ لا يَتَأتّى عَلَيْهِ عُمُومُ الخِطابِ ولا يَبْعُدُ إطْلاقُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ المَعْنى عَلى نَحْوِ رَفْعِ المَوانِعِ وتَحَقُّقِ العِلَلِ والشَّرائِطِ حَسْبَما ذُكِرَ سابِقًا وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أنَّ النِّعَمَ في حَدِّ ذاتِها غَيْرُ مَحْصُورَةٍ والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإنْسانَ لا يَحْصُرُها بِالعَدِّ وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَتَدَبَّرْ وبِالجُمْلَةِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلّا العَجْزُ عَنِ الوُقُوفِ عَلى نِهايَةِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَذا العَجْزُ عَنْ شُكْرِ ذَلِكَ وما أحْسَنَ ما قالَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهُ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدْرِهِ سُبْحانَهُ وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدْرِهِمْ وعَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: إنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ وإنَّ نِعَمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ ولَكِنْ أصْبَحُوا تَوّابِينَ وأمْسَوْا تَوّابِينَ وأفْضَلُ نِعَمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى عِبادِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنْ عَرَّفَهم أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهُ عَنْ أبِي أيُّوبَ القُرَشِيِّ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: رَبِّ أخْبِرْنِي ما أدْنى نِعْمَتِكَ عَلَيَّ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يا داوُدُ (p-229)تَنَفَّسْ فَتَنَفَّسَ فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: هَذا أدْنى نِعْمَتِي عَلَيْكَ واشْتُهِرَ أنَّ أوَّلَ النِّعَمِ المَقْصُودَةِ لَذَّتُها الوُجُودُ وأنَّهُ مَعْدِنُ كُلِّ كَمالٍ كَما أنَّ العَدَمَ مَعْدِنُ كُلِّ نَقْصٍ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ نِعْمَةٌ لا يَكادُ يُقاسُ بِها غَيْرُها عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ أنَّ الإنْسانَ مِنهم يَفْدِي نَفْسَهُ بِمِلْكِ الدُّنْيا لَوْ كانَ بِيَدِهِ وعَلِمَ أنَّ الفِداءَ مُمْكِنٌ إذا ألَمَّ بِهِ الألَمُ وتَحَقَّقَ العَدَمُ.
ومِنَ العَجِيبِ أنَّ أبا عَلِيٍّ الشِّبْلِيَّ البَغْدادِيَّ وقِيلَ: ابْنُ سَيْناءَ لَمْ يَعُدَّ وُجُودَ الإنْسانِ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَقَدْ قالَ مِن أبْياتٍ:
؎ودَهْرٌ يَنْثُرُ الأعْمارَ نَثْرًا ∗∗∗ كَما لِلْغُصْنِ بِالوَرَقِ انْتِثارُ
؎ودُنْيا كُلَّما وضَعَتْ جَنِينًا ∗∗∗ غَذّاهُ مِن نَوائِبِها ظُؤارُ
إلى أنْ قالَ:
؎نُعاقَبُ في الظُّهُورِ وما وُلِدْنا ∗∗∗ ويُذْبَحُ في حَشا الأُمِّ الحُوارُ
؎ونَنْتَظِرُ البَلايا والرَّزايا ∗∗∗ وبَعْدُ فَلِلْوَعِيدِ لَنا انْتِظارُ
؎ونَخْرُجُ كارِهِينَ كَما دَخَلْنا ∗∗∗ خُرُوجَ الضَّبِّ أخْرَجَهُ الوِجارُ
؎فَماذا الِامْتِنانُ عَلى وُجُودٍ ∗∗∗ لِغَيْرِ المُوجِدِينَ بِهِ الخِيارُ
؎فَكانَتْ أنْعُمًا لَوْ أنَّ كَوْنًا ∗∗∗ نُخَيَّرُ قَبْلَهُ أوْ نُسْتَشارُ
؎فَهَذا الدّاءُ لَيْسَ لَهُ دَواءٌ ∗∗∗ وهَذا الكَسْرُ لَيْسَ لَهُ انْجِبارُ
إلى آخِرِ ما قالَ ولَعَمْرِي لَقَدْ غَمَطَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وظَلَمَها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلْحِرْمانِ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿كَفّارٌ﴾ . (34) شَدِيدُ الكُفْرانِ والجُحُودِ وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ والأوَّلُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ وألْ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ ومِصْداقُ الحُكْمِ بِالظُّلْمِ وأخِيهِ بَعْضَ مَن وجَدا مِنَ أفْرادِهِ فِيهِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُراعُوا حَقَّها أوْ لِمَ حَرَمَها بَعْضَهم وقِيلَ: إنَّها تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ تَناهِي النِّعَمِ ولِذا أتى بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ فِيها وهو كَما تَرى هَذا وفي النَّحْلِ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفَرَّقَ أبُو حَيّانَ بَيْنَ الخَتْمَيْنِ بِأنَّهُ هُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وبَعْدَهُ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ فَكانَ ذَلِكَ نَصًّا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ مِنَ الظُّلْمِ والكُفْرانِ ناسَبَ أنْ يُخْتَمَ بِذَمِّ مَن وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ فَخُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وأمّا في النَّحْلِ فَلَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ تَفْضُّلاتٍ وأطْنَبَ فِيها وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ أيْ مَن أوْجَدَ هَذِهِ النِّعَمَ السّابِقَ ذِكْرُها لَيْسَ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ ذَكَرَ مِن تَفَضُّلاتِهِ تَعالى اتِّصافَهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ تَحْرِيضًا عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هو جَلَّ وعَلا مُتَّصِفٌ بِهِما كَما هو مُتَّصِفٌ بِالخَلْقِ فَفي ذَلِكَ إطْماعٌ لِمَن آمَنَ بِهِ تَعالى وانْتَقَلَ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقِ إلى عِبادَةِ الخالِقِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يَغْفِرُ زَلَلَهُ السّابِقَ ويَرْحَمُهُ وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالنِّعَمِ عَلى الإنْسانِ ذَكَرَ ما حَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ومِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ فَحَصَلَ مِنَ المُنْعِمِ ما يُناسِبُ حالَةَ عَطائِهِ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ إذْ لَوْلاهُما لَما أنْعَمَ عَلَيْهِ وحَصَلَ مِن جِنْسِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ ما يُناسِبُ حالَةَ الإنْعامِ عَلَيْهِ ويَقَعُ مَعَها في الجُمْلَةِ وهو الظُّلْمُ والكُفْرانُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ صَدَرَ مِنَ الإنْسانِ ظُلْمٌ فاللَّهُ تَعالى غَفُورٌ أوْ كُفْرانٌ فاللَّهُ تَعالى رَحِيمٌ لِعِلْمِهِ بِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ وما نَقَلَ السَّخاوِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ (p-230)بِآيَةِ النَّحْلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهى كَلامُهُ.
وفِيهِ بَحْثٌ وقِيلَ: إنَّما خَتَمَ سُبْحانَهُ آيَةَ النَّحْلِ بِما خَتَمَ لِلْإطْنابِ هُناكَ في ذِكْرِ النِّعَمِ مَعَ تَقَدُّمِ الدَّعْوَةِ إلى الشُّكْرِ صَرِيحًا فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ التَّقْصِيرِ فِيهِ ويُناسِبُ الإطْنابَ في سَرْدِ النِّعَمِ أنْ يَذْكُرَ مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وهو الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
* * *
( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) .
﴿( الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ )﴾ فِيهِ احْتِمالاتٌ عِنْدَهم فَقِيلَ: مِن ظُلُماتِ الكَثْرَةِ إلى نُورِ الوَحْدَةِ أوْ مِن ظُلُماتِ صِفاتِ النَّشْأةِ إلى نُورِ الفِطْرَةِ أوْ مِن ظُلُماتِ حَجْبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إلى نُورِ الذّاتِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: النُّورُ البَحْتُ الخالِصُ مِن شَوْبِ المادَّةِ والمُدَّةِ وقالَ جَعْفَرٌ: مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ ومِن ظُلُماتِ البِدْعَةِ إلى نُورِ السُّنَّةِ ومِن ظُلُماتِ النُّفُوسِ إلى نُورِ القُلُوبِ وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ طاهِرٍ: مِن ظُلُماتِ الظَّنِّ إلى نُورِ الحَقِيقَةِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿( بِإذْنِ رَبِّهِمْ )﴾ بِتَيْسِيرِهِ بِهِبَةِ الِاسْتِعْدادِ وتَهْيِئَةِ أسْبابِ الخُرُوجِ إلى الفِعْلِ إلى ﴿( صِراطِ العَزِيزِ )﴾ الَّذِي يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ بِالنُّورِ ﴿( الحَمِيدِ )﴾ بِكَمالِ ذاتِهِ أوْ بِما يَهَبُ لِعِبادِهِ المُسْتَعِدِّينَ مِنَ الفَضائِلِ والعُلُومِ أوْ مِنَ الوُجُودِ الباقِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿( ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ )﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿( مِن عَذابٍ شَدِيدٍ )﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ ﴿( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا )﴾ الحِسِّيَّةَ والصُّورِيَّةَ ﴿( عَلى الآخِرَةِ )﴾ العَقْلِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿( ويَصُدُّونَ )﴾ المُرِيدِينَ ﴿( عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )﴾ طَرِيقِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ: ﴿( ويَبْغُونَها عِوَجًا )﴾ انْحِرافًا مَعَ اسْتِقامَتِها ﴿( وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم )﴾ أيْ بِكَلامٍ يُناسِبُ حالَهم واسْتِعْدادَهم وقَدْرَ عُقُولِهِمْ وإلّا لَمْ يَفْهَمُوا فَلا يَحْصُلُ البَيانُ وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَلِّمُوا النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفي أسْرارِ التَّأْوِيلِ لِكُلِّ نَبِيٍّ وصِدِّيقٍ اصْطِلاحٌ في كَلامِ المَعْرِفَةِ وطَرِيقِ المَحَبَّةِ يُخاطِبُ بِهِ مَن يَعْرِفُهُ مِن أهْلِ السُّلُوكِ وعَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِلصُّوفِيِّ أنْ يُخاطِبَ العامَّةَ بِاصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ وخِطابُهم بِذَلِكَ مِثْلُ خِطابِ العَرَبِيِّ بِالعَجَمِيَّةِ أوِ العَجَمِيِّ بِالعَرَبِيَّةِ ومَنشَأُ ضَلالِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ النّاظِرِينَ في كُتُبِ القَوْمِ جَهْلُهم بِاصْطِلاحاتِهِمْ فَلا يَنْبَغِي لِلْجاهِلِ بِذَلِكَ النَّظَرُ فِيها لِأنَّها تَأْخُذُ بِيَدِهِ إلى الكُفْرِ الصَّرِيحِ بَلْ تُوقِعُهُ في هُوَّةِ كُفْرٍ، كُفْرُ أبِي جَهْلٍ إيمانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ومِن هُنا صَدَرَ الأمْرُ السُّلْطانِيُّ إذْ كانَ الشَّرْعُ مُعْتَنى بِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ مُطالَعَةِ كُتُبِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ ومَنِ انْخَرَطَ في سِلْكِهِ ﴿( فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ )﴾ إضْلالَهُ لِزَوالِ اسْتِعْدادِهِ بِالهَيْئاتِ الظُّلْمانِيَّةِ ورُسُوخِها والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ واسْتِقْرارِها ﴿( ويَهْدِي مَن يَشاءُ )﴾ هِدايَتَهُ مِمَّنْ بَقِيَ عَلى اسْتِعْدادِهِ أوْ لَمْ يَرْسُخْ فِيهِ تِلْكَ الهَيْئاتُ والِاعْتِقاداتُ ﴿( ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ )﴾ وهي أيّامُ وِصالِهِ سُبْحانَهُ حِينَ كَشَفَ لِعِبادِهِ سُجُفَ الرُّبُوبِيَّةِ في حَضْرَةٍ قُدُسِيَّةٍ وأدْناهم إلى جَنابِهِ ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذٍ مِن خِطابِهِ:
؎سُقْيًا لَها ولِطِيبِها ولِحُسْنِها وبَهائِها
؎أيّامٌ لَمْ يَلِجِ النَّوى بَيْنَ العَصا ولِحائِها
وما أحْسَنَ ما قِيلَ:
؎وكانَتْ بِالعِراقِ لَنا لَيالٍ سَلَبْناهُنَّ مِن رَيْبِ الزَّمانِ
؎جَعَلْناهُنَّ تارِيخَ اللَّيالِي وعُنْوانَ المَسَرَّةِ والأمانِي
وأمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَذْكِيرِ ذَلِكَ لِيَثُورَ غَرامُهم ويَأْخُذَ بِهِمْ نَحْوَ الحَبِيبِ هُيامُهم فَقَدْ قِيلَ:(p-231)
؎تَذَكَّرْ والذِّكْرى تَشَوُّقٌ وذُو الهَوى يَتُوقُ ∗∗∗ ومَن يَعْلَقْ بِهِ الحُبَّ يُصْبِهِ
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى أيّامُ تَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ بِصِفَةِ الجَلالِ وتَذْكِيرُهم بِذَلِكَ لِيَخافُوا فَيَمْتَثِلُوا ﴿( إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ )﴾ أيْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِالإيمانِ الغَيْبِيِّ سَدَّ الصَّبْرُ والشُّكْرُ عَلى ما قِيلَ مَقامانِ لِلسّالِكِ قَبْلَ الوُصُولِ ﴿( وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم )﴾ قالَ الجَوْزَجانِيُّ: أيْ لَئِنْ شَكَرْتُمُ الإحْسانَ لَأزِيدَنَّكُمُ المَعْرِفَةَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ المَعْرِفَةَ لَأزِيدَنَّكُمُ الوَصْلَةَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ الوَصْلَةَ لَأزِيدَنَّكُمُ القُرْبَ ولَئِنْ شَكَرْتُمُ القُرْبَ لَأزِيدَنَّكُمُ الأُنْسَ ويَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ما قِيلَ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَةً لَأزِيدَنَّكم نِعْمَةً خَيْرًا مِنها ولِلشُّكْرِ مَراتِبُ وأعْلى مَراتِبِهِ الإقْرارُ بِالعَجْزِ عَنْهُ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ مِن آلائِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ الآنَ شَكَرْتَنِي يا داوُدُ وقالَ حَمْدُونٌ: شُكْرُ النِّعْمَةِ أنْ تَرى نَفْسَكَ فِيها طُفَيْلِيًّا ﴿( قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ )﴾ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَكَّ فِيهِ لِأنَّهُ الظّاهِرُ في الآفاقِ والأنْفُسِ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ مُوجِدُهُما ومُظْهِرُهُما مِن كَتَمِ العَدَمِ ﴿( يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم )﴾ لِيَسْتُرَ بِنُورِهِ سُبْحانَهُ ظُلُماتِ حَجْبِ صِفاتِكم فَلا تَشُكُّونَ فِيهِ عِنْدَ جَلِيَّةِ اليَقِينِ ﴿( ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى )﴾ إلى غايَةٍ يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم مِنَ السَّعادَةِ ﴿( قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا )﴾ مَنَعَهم ذَلِكَ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿( قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ )﴾ سَلَّمُوا لَهُمُ المُشارِكَةَ في الجِنْسِ وجَعَلُوا المُوجِبَ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا يُرَشِّحُهم لِذَلِكَ وكَثِيرًا ما يَقُولُ المُنْكِرُونَ في حَقِّ أجِلَّةِ المَشايِخِ مِثْلَ ما قالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ في حَقِّ رُسُلِهِمْ والجَوابُ نَحْوَ هَذا الجَوابِ ﴿( وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ )﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ أُولَئِكَ: ﴿( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ )﴾ ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ لِلْمُنْكِرِينَ الطّالِبِينَ مِنَ الوالِي الكَرامَةَ تَعَنُّتًا ولَجاجًا ﴿( وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ )﴾ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي التَّوَكُّلَ وهو الخُمُودُ تَحْتَ المَوارِدِ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ طَرْحُ القَلْبِ في الرُّبُوبِيَّةِ والبَدَنِ في العُبُودِيَّةِ فالمُتَوَكِّلُ لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الكامِلَ لا يُحِبُّ إظْهارَ الكَرامَةِ وفي المَسْألَةِ تَفْصِيلٌ عِنْدَهم ﴿( وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا )﴾ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ البُرُوزَ مُتَعَدِّدٌ فَبَرْوَزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الصُّغْرى بِمَوْتِ الجَسَدِ وبُرُوزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الوُسْطى بِالمَوْتِ الإرادِيِّ وهو الخُرُوجُ عَنْ حِجابِ صِفاتِ النَّفْسِ إلى عَرْصَةِ القَلْبِ وبُرُوزٌ عِنْدَ القِيامَةِ الكُبْرى وهو الخُرُوجُ عَنْ حِجابِ الآنِيَةِ إلى فَضاءِ الوَحْدَةِ الحَقِيقِيَّةِ وإنَّ حُدُوثَ التَّقاوُلِ بَيْنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿( فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا )﴾ .. إلَخْ فَهو بِوُجُودِ المَهْدِيِّ القائِمِ بِالحَقِّ الفارِقِ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ عِنْدَ قَضاءِ الأمْرِ الإلَهِيِّ بِنَجاةِ السُّعَداءِ وهَلاكِ الأشْقِياءِ وفَسَّرُوا الشَّيْطانَ بِالوَهْمِ وقَدْ يُفَسِّرُونَهُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ والقَوْلِ المَقْصُوصِ عَنْهُ في الآيَةِ عِنْدَ ظُهُورِ سُلْطانِ الحَقِّ وبَعْضُهم حَمَلَ الشَّيْطانَ هُنا عَلى الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿( فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم )﴾ دَلِيلُ بَقائِهِ عَلى الشِّرْكِ حَيْثُ رَأى الغَيْرَ في البَيْنِ وما ثَمَّ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الواسِطِيِّ حَيْثُ قالَ: مَن لامَ نَفْسَهُ فَقَدْ أشْرَكَ ويُخالِفُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حامِدٍ: النَّفْسُ مَحِلُّ كُلِّ لائِمَةٍ فَمَن لَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ عَلى الدَّوامِ ورَضِيَ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَقَدْ أهْلَكَها يَأْباهُ ما صَحَّ في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «يا عِبادِي إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ» فَتَأمَّلْ (p-232)﴿( وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ )﴾ لَمْ يَذْكُرْ مَن يُحْيِيهِمْ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ مِنهم مَن يُحْيِيهِمْ رَبُّهم وهم أهْلُ الصَّفْوَةِ والقُرْبَةِ ومِنهم مَن يُحْيِيهِمُ المَلائِكَةُ وهم أهْلُ الطّاعاتِ والدَّرَجاتِ وما أطْيَبَ سَلامَ المَحْبُوبِ عَلى مُحِبِّهِ وما ألَذَّهُ عَلى قَلْبِهِ: .
أشارُوا بِتَسْلِيمٍ فَجُدْنا بِأنْفُسٍ تَسِيلُ مِنَ الآماقِ والِاسْمِ أدْمَعُ
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي غَرَسَها الحَقُّ في أرْضِ بَساتِينِ الأرْواحِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ أصْلَها هُناكَ ثابِتًا بِالتَّوْفِيقِ وفَرْعَها في سَماءِ القُرْبَةِ وسَقْيَها مِن سَواقِي العِنايَةِ وساقَها المَعْرِفَةَ وأغْصانَها المَحَبَّةَ وأوْراقَها الشَّوْقَ وحارِسَها الرِّعايَةَ تُؤْتِي أُكُلَها في جَمِيعِ الأنْفاسِ مِن لَطائِفِ العُبُودِيَّةِ وعِرْفانِ أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمُ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ أصْلُها ثابِتٌ بِالِاطْمِئْنانِ وثَباتِ الِاعْتِقادِ بِالبُرْهانِ وفَرْعُها في سَماءِ الرُّوحِ تُؤْتِي أُكُلَها مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ والحِكَمِ والحَقائِقِ كُلَّ وقْتٍ بِتَسْهِيلِهِ تَعالى ﴿( ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ )﴾ إشارَةٌ إلى كَلِمَةِ الكُفْرِ أوِ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الشَّهَواتُ وأرْضُها النُّفُوسُ وماؤُها الأمَلُ وأوْراقُها الكَسَلُ وثِمارُها المَعاصِي وغايَتُها النّارُ ﴿( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ )﴾ قالَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يُثَبِّتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الإيمانِ وفي الآخِرَةِ عَلى صِدْقِ جَوابِ الرَّحْمَنِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ الثّابِتَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وحُكْمَهُ الأزَلِيَّ أيْ يُثَبِّتُهم عَلى ما فِيهِ تَبْجِيلُهم وتَوْقِيرُهم في الدّارَيْنِ حَيْثُ حَكَمَ بِذَلِكَ في الأزَلِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ ﴿( ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ )﴾ في الحَياتَيْنِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ﴿(الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ)﴾ مِنَ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ والنُّورِ الفِطْرِيِّ ﴿( كُفْرًا )﴾ احْتِجابًا وضَلالًا ﴿( وأحَلُّوا قَوْمَهم )﴾ مَن تابَعَهم واقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ ﴿( دارَ البَوارِ )﴾ الهَلاكَ والحِرْمانَ ﴿( وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا )﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا ومُشْتَهِياتِها الَّتِي يُحِبُّونَها كَحُبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ )﴾ كُلَّ مَن نَظَرَ إلى ذَلِكَ والتَفَتَ إلَيْهِ ﴿( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ )﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿( والأرْضَ )﴾ أيْ أرْضَ الأجْسادِ ﴿( وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ )﴾ أيْ سَماءِ عالَمِ القُدُسِ ﴿( ماءً )﴾ وهو ماءُ العِلْمِ ﴿( فَأخْرَجَ بِهِ )﴾ مِن أرْضِ النَّفْسِ ﴿( مِنَ الثَّمَراتِ )﴾ وهي ثَمَراتُ الحِكَمِ والفَضائِلِ ﴿( رِزْقًا لَكم )﴾ في تَقْوى القَلْبِ بِها ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ )﴾ أيْ فُلْكَ العُقُولِ ﴿( لِتَجْرِيَ في البَحْرِ )﴾ أيْ بَحْرِ آلائِهِ وأسْرارِ مَخْلُوقاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ )﴾ أيْ أنْهارَ العِلْمِ الَّتِي تَنْتَهِي بِكم إلى ذَلِكَ البَحْرِ العَظِيمِ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ )﴾ شَمْسَ الرُّوحِ ﴿( والقَمَرَ )﴾ قَمَرَ القَلْبِ ﴿( دائِبَيْنِ )﴾ في السَّيْرِ بِالمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ )﴾ لَيْلَ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿( والنَّهارَ )﴾ نَهارَ نُورِ الرُّوحِ لِطَلَبِ المَعاشِ والمَعادِ والرّاحَةِ والِاسْتِنارَةِ ﴿( وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ )﴾ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ فَإنَّ المَسْؤُولَ بِذَلِكَ لا يَمْنَعُ ﴿( وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ )﴾ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ لا تُحْصُوها لِعَدَمِ تَناهِيها ﴿( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ )﴾ يَنْقُصُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى أوْ حَقَّ نَفْسِهِ بِإبْطالِ الِاسْتِعْدادِ أوْ يَضَعُ نُورَ الِاسْتِعْدادِ في ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ومادَّةَ البَقاءِ في مَحَلِّ الفَناءِ ﴿( كَفّارٌ )﴾ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي لا تُحْصى لِغَفْلَتِهِ عَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ لِنَفْسِهِ حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ شُكْرَهُ يُقابِلُ نِعَمَهُ تَعالى كَفّارٌ مَحْجُوبٌ عَنْ رُؤْيَةِ الفَضْلِ عَلَيْهِ بِدايَةً ونِهايَةً نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لَمّا يُحِبُّ ويَرْضى ويُكْرِمَنا بِالهِدايَةِ والعِنايَةِ
{"ayah":"وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَظَلُومࣱ كَفَّارࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











