الباحث القرآني
﴿وجَعَلُوا﴾ عُطِفَ عَلى ( أحَلُّوا ) أوْ ما عُطِفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وحُكْمِ التَّعْجِيبِ أيْ جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ لِلَّهِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو الواحِدُ القَهّارُ أنْدادًا أمْثالًا في التَّسْمِيَةِ أوْ في العِبادَةِ وقالَ الرّاغِبُ: نِدُّ الشَّيْءِ مُشارِكُهُ في جَوْهَرِهِ وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ المُماثَلَةِ فَإنَّ المَثَلَ يُقالُ في أيِّ مُشارَكَةٍ كانَتْ فَكُلُّ نِدٍّ مِثْلٌ ولَيْسَ كُلُّ مِثْلٍ نِدًّا ولَعَلَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ هُنا ما أشَرْنا إلَيْهِ.
﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهم الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ وقِيلَ: مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنْ يَذْكُرَ كُفْرانَهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرانَهم بِذاتِهِ سُبْحانَهُ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ثُمَّ إضْلالَهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ وتَكْرِيرِهِ والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الهِناتِ يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمُ التَّعْجِيبُ مِنَ المَجْمُوعِ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الجَلِيلِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ ( لِيَضِلُّوا ) بِفَتْحِ الياءِ والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ في القِراءَتَيْنِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ الإضْلالُ أوِ الضَّلالُ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ شُبِّهَ بِالغَرَضِ والعِلَّةِ الباعِثَةِ فاسْتُعْمِلَ لَهُ حَرْفُهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ كَوْنَ الضَّلالِ نَتِيجَةً لِلْجَعْلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْدادًا غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ هو مُتَّحِدٌ مَعَهُ أوْ لازِمٌ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا أنْ يُرادَ الحُكْمُ بِهِ أوْ دَوامُهُ ورُدَّ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ضَلالٌ بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اهْتِداءٌ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اعْتِقادِهِمْ ضِدُّهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّتِيجَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن لَوازِمِهِ أوَّلًا وفِيهِ تَأمُّلٌ ﴿قُلْ﴾ لِأُولَئِكَ الضُّلّالِ المُتَعَجَّبِ مِنهم ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْدِيلُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرًا واسْتِتْباعُ النّاسِ في الضَّلالِ وجَعْلُ ذَلِكَ مُتَمَتَّعًا بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمُشْتَهَياتِ المَعْرُوفَةِ لِتَلَذُّذِهِمْ بِهِ كَتَلَذُّذِهِمْ بِها وفي التَّعْبِيرِ بِالأمْرِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ بِما هم عَلَيْهِ وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ مَأْمُورُونَ بِهِ قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . (30) . جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: والمَعْنى إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مَجازًا عَنِ التَّخْلِيَةِ والخِذْلانِ وأنَّ ذَلِكَ الآمِرَ مُتَسَخِّطٌ إلى غايَةٍ ومِثالُهُ أنْ تَرى الرَّجُلَ قَدْ عَزَمَ عَلى أمْرٍ وعِنْدَكَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ خَطَأٌ وأنَّهُ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ فَتُبالِغُ في نُصْحِهِ واسْتِنْزالِهِ (p-220)عَنْ رَأْيِهِ فَإذا لَمْ تَرَ مِنهُ إلّا الإباءَ والتَّصْمِيمَ حَرَدْتَ عَلَيْهِ وقُلْتُ: أنْتَ وشَأْنَكَ فافْعَلْ ما شِئْتَ فَلا تُرِيدُ بِهَذا حَقِيقَةَ الأمْرِ ولَكِنَّكَ كَأنَّكَ تَقُولُ: فَإذا قَدْ أبَيْتَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ فَأنْتَ أهْلٌ لِيُقالَ لَكَ افْعَلْ ما شِئْتَ وتُبْعَثَ عَلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ إذا فَعَلْتَ صِحَّةَ رَأْيِ النّاصِحِ وفَسادَ رَأْيِكَ. انْتَهى.
قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الوَجْهَيْنِ مُشْتَرِكانِ في إفادَةِ التَّهْدِيدِ لَكِنَّ الأداءَ إلَيْهِ مُخْتَلِفٌ والأوَّلُ نَظِيرُ ما إذا أطاعَ أحَدُ عَبِيدِكَ بَعْضَ مَن تَنْتَقِمُ طَرِيقَتَهُ فَتَقُولُ: أطِعْ فُلانًا وهَذا صَحِيحٌ صَدَرَ مِنَ المَنقُومِ أمْرٌ ومِنَ العَبْدِ طاعَةٌ أوْ كانَ مِنهُ مُوافَقَةٌ لِبَعْضِ ما يَهْواهُ والقَسَمُ الأخِيرُ هو ما نَحْنُ فِيهِ والثّانِي ظاهِرٌ. انْتَهى.
وظاهِرُ هَذا أنَّ التَّهْدِيدَ عَلى الوَجْهَيْنِ مَفْهُومٌ مِن صِيغَةِ الأمْرِ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ وعَلى الثّانِي مِنَ الأمْرِ وما في حَيِّزِ الفاءِ تَعْلِيلٌ لَهُ ولَعَلَّ النَّظَرَ الدَّقِيقَ قاضٍ بِما أفْتى بِهِ ظاهِرُ ما في الكَشْفِ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِمَرِيضٍ يَأْمُرُهُ بِالِاحْتِماءِ فَلا يَحْتَمِي: كَلْ ما تُرِيدُ فَإنَّ مَصِيرَكَ إلى المَوْتِ فَإنَّ المَقْصُودَ كَما قالَ صاحِبُ الفَرائِدِ التَّهْدِيدُ لِيَرْتَدِعَ ويَقْبَلَ ما يَقُولُ.
وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ ما قَرَّرَ في المِثالِ هو المُرادُ مِن قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في ﴿تَمَتَّعُوا﴾ إيذانًا بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ .. إلَخْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ ظاهِرٌ في الوَجْهِ الثّانِي فافْهَمْ والمَصِيرُ مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ بِمَعْنى رَجَعَ وهو اسْمُ إنَّ و﴿إلى النّارِ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( مَصِيرَ ) وهو مِن صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ ولِذا عُدِّيَ بِإلى لِأنَّهُ يَدْعُو إلى القَوْلِ بِحَذْفِ خَبَرِ إنَّ وحَذْفُهُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ والكَثِيرُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ نَكِرَةً والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ والحَوْفِيُّ جَوَّزَ هَذا التَّعَلُّقَ فالخَبَرُ عِنْدَهُ مَحْذُوفٌ أيْ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ أوْ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
{"ayah":"وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادࣰا لِّیُضِلُّوا۟ عَن سَبِیلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِیرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











