الباحث القرآني

( سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ 14 ) أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ والظّاهِرُ أنَّهُما أرادا أنَّها كُلَّها كَذَلِكَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها فَإنَّهُما نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الإمامُ: إذا لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ إذْ لا يَخْتَلِفُ الغَرَضُ فِيهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيها ناسِخٌ أوْ مَنسُوخٌ فَتَظْهَرُ فائِدَتُهُ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الحالُ وتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ إلّا بِما ذُكِرَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلّا ضَبْطُ زَمانِ النُّزُولِ وكَفى بِهِ فائِدَةٌ هَلْ في هَذِهِ السُّورَةِ مَنسُوخٌ أوْ لا قَوْلانِ والجُمْهُورُ عَلى الثّانِي وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ فِيها آيَةً مَنسُوخَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ فَإنَّهُ قَدْ نُسِخَتْ بِاعْتِبارِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ وهي إحْدى وخَمْسُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ وقِيلَ: خَمْسُونَ فِيهِ واثْنانِ وخَمْسُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ في المَدَنِيِّ وخَمْسٌ في الشّامِيِّ وارْتِباطُها بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا لِأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن مَدْحِ الكِتابِ وبَيانِ أنَّهُ مُغْنٍ عَمّا اقْتَرَحُوهُ ما ذُكِرَ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَصْفِ الكِتابِ والإيماءِ إلى أنَّهُ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا وإذا أُرِيدَ بِـ ( مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ) اللَّهُ تَعالى ناسَبَ مَطْلَعُ هَذِهِ خِتامَ تِلْكَ أشَدَّ مُناسَبَةٍ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ إنْزالُ القُرْآنِ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَمْ يُصَرِّحْ فِيها بِحِكْمَةِ ذَلِكَ وصَرَّحَ بِها هُنا وأيْضًا تَضَمَّنَتْ تِلْكَ الإخْبارَ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنَّهُ ما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الإخْبارَ بِهِ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأنَّهم قالُوا: ما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَ بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وأيْضًا ذُكِرَ هُناكَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وحُكِيَ هُنا عَنِ إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَوَكُّلُهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وأمْرُهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ واشْتَمَلَتْ تِلْكَ عَلى تَمْثِيلٍ لِلْحَقِّ والباطِلِ واشْتَمَلَتْ هَذِهِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى بَعْضِ ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ إلى آخِرِهِ وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى مِن رَفْعِ السَّماءِ ومَدِّ الأرْضِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ما ذُكِرَ وذُكِرَ هُنا نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ اعْتَبَرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا آياتٍ وما ذُكِرَ ثانِيًا نِعَمًا وصَرَّحَ في كُلٍّ بِأشْياءَ لَمْ يُصَرِّحْ بِها في الآخَرِ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ هُناكَ مَكْرُ الكَفَرَةِ وذُكِرَ هُنا أيْضًا وذُكِرَ مِن وصْفِهِ ما لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ وأيْضًا قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ ذُكِرَ في (p-180)الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ وذَلِكَ مُجْمَلٌ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ الرُّسُلِ والمُسْتَهْزِئِينَ وصِفَةِ الِاسْتِهْزاءِ والأخْذِ وقَدْ فُصِّلَتِ الأرْبَعَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الآياتِ وقَدِ اشْتَرَكَتِ السُّورَتانِ مِمّا عَدا افْتِتاحَ كُلٍّ مِنهُما بِالمُتَشابَهِ بِأنَّ كُلًّا قَدِ افْتُتِحَ بِالألِفِ واخْتُتِمَ بِالباءِ وجَمَعا أيْضًا في آخِرِ ما خُتِما بِهِ وبَقِيَ مُناسَباتٌ بَيْنَهُما غَيْرَ ما ذَكَرْنا لَوْ ذَكَرْناها لَطالَ الكَلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كِتابِهِ. ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ ) مَرَّ الكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿كِتابٌ﴾ جُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لالر عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً أوْ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَسْرُودًا عَلى نَمَطٍ التَّعْدِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي أُخْبِرَ عَنْهُ بِالر وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وسُوِّغَ الِابْتِداءُ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ أيْ كِتابٌ عَظِيمٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أوِ الخَبَرِ وهو مَعَ مُبْتَدَآتِهِ قِيلَ في مَوْضِعِ التَّفْسِيرِ وفي إسْنادِ الإنْزالِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ إسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ ﷺ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ والمُرادُ مِنَ النّاسِ جَمِيعُهم أيْ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَهم كافَّةً بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ البَيِّناتِ الواضِحَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى الكاشِفَةِ عَنِ العَقائِدِ الحَقَّةِ مِن عَقائِدِ الكُفْرِ والضَّلالِ وعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الآلِهَةِ المُخْتَلِفَةِ كالمَلائِكَةِ وخَواصِّ البَشَرِ والكَواكِبِ والأصْنامِ الَّتِي كُلُّها ظُلُماتٌ مَحْضَةٌ وجَهالاتٌ صِرْفَةٌ إلى الحَقِّ المُؤَسَّسِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو نُورٌ بَحْتٌ وقُرِئَ ( لِيُخْرَجَ النّاسُ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ في ( يُخْرَجُ ) ورَفْعُ ( النّاسُ ) بِهِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ تَعالى وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي يُوجِبُ تَسْهِيلَ الحِجابِ لِمَن يَقْصِدُ الوُرُودَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلامَةِ اللُّزُومِ وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: إذْنُهُ تَعالى أمْرُهُ وقِيلَ: عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: إرادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وهي عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبَةٌ ومَنَعَ الإمامُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الأمْرُ أوِ العِلْمُ وعَلَّلَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وفي الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ثَلاثُ اسْتِعاراتٍ إحْداها ما سَمِعْتَ في الإذْنِ والأُخْرَيانِ في ﴿الظُّلُماتِ﴾ و﴿النُّورِ﴾ وقَدْ أُشِيرَ إلى المُرادِ مِنهُما وجَوَّزَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِعارَةً مُرَكَّبَةً تَمْثِيلِيَّةً بِتَصْوِيرِ الهُدى بِالنُّورِ والضَّلالِ بِالظُّلْمَةِ والمُكَلَّفِ المُنْغَمِسِ في ظُلْمَةِ الكُفْرِ بِحَيْثُ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ الخُرُوجُ إلى نُورِ الإيمانِ إلّا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعالى بِإرْسالِ رَسُولٍ بِكِتابٍ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَن وقَعَ في تِيهٍ مُظْلِمٍ لَيْسَ مِنهُ خَلاصٌ فَبُعِثَ مَلَكٌ تَوْقِيعًا لِبَعْضِ خَواصِّهِ في اسْتِخْلاصِهِ وضَمِنَ تَسْهِيلَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ هُنا ما كانَ مُسْتَعْمَلًا هُناكَ فَقِيلَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ إلى آخِرِهِ وكانَ الظّاهِرُ بِإذْنِنا إلّا أنَّهُ وُضِعَ ذَلِكَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وقِيلَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ لِلْإشْعارِ بِالتَّرْبِيَةِ واللُّطْفِ والفَضْلِ وبِأنَّ الهِدايَةَ لُطْفٌ مَحْضٌ وفِيهِ أنَّ الكِتابَ والرَّسُولَ والدَّعْوَةَ لا تُجْدِي دُونَ إذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . اهَـ. وما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مَعَ بَلاغَتِهِ وحُسْنِهِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ وكَأنَّهُ لِلْإنْباءِ عَنْ كَوْنِ التَّيْسِيرِ والتَّوْفِيقِ مَنُوطَيْنِ بِالإقْبالِ إلى الحَقِّ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ الإذْنُ الَّذِي هو ما عَلِمْتَ وأُضِيفَ إلى ضَمِيرِ النّاسِ اسْمُ الرَّبِّ المُفْصِحِ عَنِ التَّرْبِيَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ وشُمُولُ (p-181)الإذْنِ بِذَلِكَ المَعْنى لِلْكُلِّ واضِحٌ وعَلَيْهِ يَدُورُ كَوْنُ الإنْزالِ لِإخْراجِهِمْ جَمِيعًا وعَدَمُ تَحَقُّقِ الإذْنِ بِالفِعْلِ في بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ المُسْتَنِدِ إلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ ورَداءَةُ اسْتِعْدادِهِمْ غَيْرُ مُخِلٍّ بِذَلِكَ ومِن هُنا فَسادُ قَوْلِ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّ اللّامَ لامُ الغَرَضِ لا لامُ العاقِبَةِ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ النّاسِ مُؤْمِنِينَ والواقِعُ بِخِلافِهِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى تُعَلَّلُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ ثُمَّ ساقَ دَلِيلَ أصْحابِهِ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ وذَكَرَ أنَّهُ إذا ثَبَتَ الِامْتِناعُ يَلْزَمُ تَأْوِيلُ كَلِّ ما أشْعَرَ بِخِلافِهِ وتَأْوِيلُهُ بِحَمْلِ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ ونَحْوِها ونُقِلَ عَنِ ابْنِ القَيِّمِ وغَيْرِهِ القَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ وأنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وأنَّ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ظاهِرُهُ في ذَلِكَ وتَأْوِيلُ الجَمِيعِ خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ ولَيْسَ الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ مِنَ المَتانَةِ عَلى وجْهٍ يُضْطَرُّ مَعَهُ إلى التَّأْوِيلِ ولِلشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ كَلامٌ نَفِيسٌ في هَذا الغَرَضِ سالِمٌ فِيما أرى عَنِ العِلَّةِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( تُخْرِجَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ومِنهم مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مُلْتَبِسًا بِإذْنِ رَبِّهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ لا إلَيْهِ ﷺ ورُدَّ بِما رُدَّ فَتَأمَّلْ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّعْلِيمِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ حَيْثُ ذُكِرَ فِيها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي يُخْرِجُ النّاسَ مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الهُدى وأُجِيبَ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالمُنَبِّهِ وأمّا المَعْرِفَةُ فَإنَّما تَحْصُلُ مِنَ الدَّلِيلِ واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا كُلٌّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ عَلى مَذْهَبِهِ في أفْعالِ العِبادِ وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ الإمامِ. ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ . (1) . الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ فِيما تَقَدَّمَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى النُّورِ﴾ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ ﴿صِراطِ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿النُّورِ﴾ وأُعِيدَ عامِلُهُ وكُرِّرَ لَفْظًا لِيَدُلَّ عَلى البَدَلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ إذْ هو مِن مَعْمُولاتِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ واسْتُشْكِلَ هَذا مَعَ الِاسْتِعارَةِ السّابِقَةِ بِأنَّ التَّعْقِيبَ بِالبَدَلِ لا يَتَقاعَدُ عَنِ التَّعْقِيبِ بِالبَيانِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الصِّراطَ اسْتِعارَةٌ أُخْرى لِلْهُدى جُعِلَ نُورًا أوَّلًا لِظُهُورِهِ في نَفْسِهِ واسْتِضاءَةِ الضَّلالِ في مُهْواةِ الهَوى بِهِ ثُمَّ جُعِلَ ثانِيًا جادَّةً مَسْلُوكَةً مَأْمُونَةً كَبِنْياتِ الطُّرُقِ دَلالَةً عَلى تَمامِ الإرْشادِ. وفِي الإرْشادِ أنَّ إخْلالَ البَيانِ والبَدَلِ بِالِاسْتِعارَةِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ لا في المَجازِ وهو ظاهِرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ سائِلٍ يَسْألُ إلى أيِّ نُورٍ فَقِيلَ: ﴿إلى صِراطِ﴾ إلى آخِرِهِ وإضافَةُ الصِّراطِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المُبَيِّنُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلتَّرْغِيبِ في سُلُوكِهِ إذْ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَعِزُّ سالِكُهُ ويُحْمَدُ سابِلُهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ قَبْلَ إنْزالِهِ تَعالى لِهَذا الكِتابِ وإخْراجِ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ناسَبَ ذِكْرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ صِفَةُ العِزَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْقُدْرَةِ والغَلَبَةِ لِإنْزالِهِ مِثْلَ هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ وصِفَةُ الحَمْدِ لِإنْعامِهِ بِأعْظَمِ النِّعَمِ لِإخْراجِ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ووَجْهُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ. وقالَ الإمامُ: إنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الحَمِيدِ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ والعَزِيزُ هو القادِرُ والحَمِيدُ هو العالِمُ الغَنِيُّ فَلَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِالكُلِّ غَنِيًّا عَنْهُ لا جَرَمَ قُدِّمَ ذِكْرُ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ (p-182)الحَمِيدِ. اهَـ. ولَمْ نَرَ تَفْسِيرَ ﴿الحَمِيدِ﴾ بِما ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وفي المَواقِفِ وشَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ وغَيْرِهِما أنَّ الحَمِيدَ هو المَحْمُودُ المُثْنى عَلَيْهِ وهو سُبْحانَهُ مَحْمُودٌ بِحَمْدِهِ لِنَفْسِهِ أزَلًا وبِحَمْدِ عِبادِهِ لَهُ تَعالى أبَدًا وبَيْنَ هَذا وما ذَكَرَهُ الإمامُ بُعْدٌ بِعِيدٌ وأمّا ما ذَكَرَهُ في العَزِيزِ فَهو قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وقِيلَ: هو الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ. ورُبَّما يُقالُ عَلى هَذا: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاعْتِناءِ بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُمُ: التَّخْلِيَةُ أوْلى مِنَ التَّحْلِيَةِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ولَعَلَّ كَلامَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب