الباحث القرآني

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أوَّلُ ما دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلاءِ فِيما بَلَغَنِي أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تَحْضُنُهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ إلَيْها مِنطَقَةُ أبِيها وكانُوا يَتَوارَثُونَها (p-32)بِالكِبَرِ فَكانَتْ لا تُحِبُّ أحَدًا كَحُبِّها إيّاهُ حَتّى إذا تَرَعْرَعَ وقَعَتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ إلَيْهِ فَأتاها فَقالَ: يا أُخْتاهُ سَلِّمِي إلَيَّ يُوسُفَ فَواللَّهِ ما أقْدِرُ عَلى أنْ يَغِيبَ عَنِّي ساعَةً فَقالَتْ واللَّهِ ما أنا بِتارِكَتِهِ فَدَعْهُ عِنْدِي أيّامًا أنْظُرْ إلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي فَلَمّا خَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِنْدِها عَمَدَتْ إلى تِلْكَ المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ أبِي إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن أخَذَها فالتَمَسَتْ ثُمَّ قالَتِ: اكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ فَكَشَفُوهم فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لَسَلْمٌ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ فَأتاها يَعْقُوبُ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ لَها: أنْتَ وذاكَ إنْ كانَ فَعَلَ فَأمْسَكَتْهُ فَما قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى ماتَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَرَقَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ» وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ غُلامًا صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ عِنْدَ خالٍ لَهُ وهو يَلْعَبُ مَعَ النُّعْمانِ فَدَخَلَ كَنِيسَةً لَهم فَوَجَدَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ فَأخَذَهُ وذَلِكَ الَّذِي عَنَوْهُ بِسَرِقَتِهِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ سائِلًا جاءَهُ يَوْمًا فَأخَذَ بَيْضَةً فَناوَلَها إيّاهُ: وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أخَذَ دَجاجَةً فَأعْطاها السّائِلَ وقالَ وهْبٌ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَبِّئُ الطَّعامَ مِنَ المائِدَةِ لِلْفُقَراءِ وقِيلَ وقِيلَ وعَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ تَصَلُّفٌ لا يَسُوغُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ بَلْ ولا إلى أحَدٍ مِنَ الأشْرافِ فالواجِبُ تَرْكُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَمَكِّيٌّ وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ مِثْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ في الحَدِيثِ قِيلَ: وهو كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدِّ كُلِّ ما قِيلَ في بَيانِ المُرادِ مِن سَرِقَةِ الأخِ تَصَلُّفًا فَإنَّ فِيهِ ما لا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وإنِ ادَّعى أنَّ دَعْوى نِسْبَتِهِمُ السَّرِقَةَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ إذْ لا سَرِقَةَ في الحَقِيقَةِ وهم أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ لا يَكْذِبُونَ جاءَ حَدِيثُ أكْلِهِ الذِّئْبُ وهم غَيْرُ مَعْصُومِينَ أوَّلًا وآخِرًا وما قالَهُ البَعْضُ وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ مِمّا يَأْباهُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ ذَوْقًا وأتَوْا بِكَلِمَةِ ﴿إنْ﴾ لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِسَرِقَتِهِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ فَقَدْ وجَدُوا مِن قِبَلِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا سارِقِينَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم لَمّا رَأوْا إخْراجَ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ خَجِلُوا فَقالُوا: يا ابْنَ راحِيلَ كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِّقايَةَ فَرَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ فَقالُوا: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم فَإنْ كانَ قَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ .. إلَخْ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَمَةِ فالظّاهِرُ أنَّها هي الَّتِي دَعَتْهم ( لِأنَّ ) وأمّا قَوْلُهم: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ فَبِناءً عَلى الظّاهِرِ ومُدَّعى القَوْمِ وكَذا عِلْمُهم مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهم جَزَمُوا بِذَلِكَ و﴿إنْ﴾ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ ولَعَلَّهُ الأوْلى لِظاهِرِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ و﴿يَسْرِقْ﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والمَعْنى إنْ كانَ سَرَقَ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ لِسَبْقِ مِثْلِهِ مِن أخِيهِ وكَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ دَفْعَ المَعَرَّةِ عَنْهم واخْتِصاصَها بِالشَّقِيقَيْنِ وتَنْكِيرُ ﴿أخٌ﴾ لِأنَّ الحاضِرِينَ لا عِلْمَ لَهم بِهِ وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ والوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ وغَيْرِهِمْ ( فَقَدْ سُرِّقَ ) بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ والمَقامِ أيْ أضْمَرَ الحَزازَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا قالُوا وقِيلَ: أضْمَرَ مَقالَتَهم أوْ نِسْبَةَ السَّرِقَةِ إلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهم عَنْها ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ لا أنَّهُ أسَرَّها لِبَعْضِ أصْحابِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ (p-33)﴿ولَمْ يُبْدِها﴾ أيْ يُظْهِرْها لَهم لا قَوْلًا ولا فِعْلًا صَفْحًا لَهم وحِلْمًا وهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ ﴿قالَ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالإسْرارِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في نَفْسِهِ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ مَنزِلَةً في السَّرْقِ وحاصِلُهُ أنَّكم أثْبَتُ في الِاتِّصافِ بِهَذا الوَصْفِ وأقْوى فِيهِ حَيْثُ سَرَّقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكم ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإضْمارَ هُنا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ﴿قالَ أنْتُمْ﴾ .. إلَخْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ والمَعْنى فَأسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الإضْمارَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَلى ضَرْبَيْنِ أحَدُهُما أنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ نَحْوَ نِعْمَ رَجُلًا ورَبَّهُ رَجُلًا وثانِيهِما أنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ وأصْلُ هَذا أنْ يَقَعَ في الِابْتِداءِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّواسِخُ نَحْوَ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ . ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ ولَيْسَ مِنها شِفاءُ النَّفْسِ مَبْذُولٌ وغَيْرُ ذَلِكَ وتَفْسِيرُ المُضْمَرِ في كِلا المَوْضِعَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ ومُتَعَلِّقٌ بِها ولا يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْها والَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مُنْقَطِعٌ فَلا يَكُونُ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ المُفَسَّرَ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالمَنعِ وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالجُمَلِ في شَيْءٍ حَتّى يُعْتَرَضَ بِأنَّهُ مِن خَواصِّ ضَمِيرِ الشَّأْنِ الواجِبِ التَّصْدِيرِ وإنَّما هو نَظِيرُ ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ﴾ .. إلَخْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ في تِلْكَ الآيَةِ تَفْسِيرُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ وهَذِهِ فِيها تَفْسِيرُ ضَمِيرٍ بِجُمْلَةٍ وفي الكَشّافِ جَعَلَ ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ هو المُفَسَّرُ وفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى إثْباتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِجَعْلِ ﴿قالَ﴾ .. إلَخْ بَدَلًا مِن أسَرَّ ولَعَلَّ الأمْرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ المُرادَ قالَ في نَفْسِهِ نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهم وواجَهَهم بِهِ بَعْدَ أنْ أسَرَّ كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ في نَفْسِهِ وغَرَضُهُ تَوْبِيخُهم وتَكْذِيبُهم ويُقَوِّيهِ أنَّهم تَرَكُوا أنْ يَشْفَعُوا بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَّفاعَةِ لَهُ بِأبِيهِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( فَأسَرَّهُ ) بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ . (77) . أيْ عالِمٌ عِلْمًا بالِغًا إلى أقْصى المَراتِبِ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ مِن صُدُورِ السَّرِقَةِ مِنّا فَصِيغَةُ أفْعَلَ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ لا لِتَفْضِيلِ عِلْمِهِ تَعالى عَلى عِلْمِهِمْ كَيْفَ لا ولَيْسَ لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ المَعْنى أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ بِهِ مِنكم لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ وكَيْفَ كانَتْ سَرِقَةُ أخِيهِ الَّذِي أحَلْتُمْ سَرِقَتَهُ عَلَيْهِ فَأفْعَلُ حِينَئِذٍ عَلى ظاهِرِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِلْمٌ والتَّفْضِيلُ يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَكْفِي الشَّرِكَةُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ لِأنْفُسِهِمْ ألا تَرى قَوْلَهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ جَزْمًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب