الباحث القرآني

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ﴾ أيْ أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ واسْتِرْقاقُهُ وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذّاتِ ولِأنَّ نَفْسَ ذاتِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ لَيْسَتْ جَزاءً في الحَقِيقَةِ واخْتارُوا عُنْوانَ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ لِأنَّ كَوْنَ الأخْذِ والِاسْتِرْقاقِ سُنَّةً عِنْدَهم ومِن شَرِيعَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ عِنْدَهُ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ إشارَةً إلى كَمالِ نَزاهَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ أنْفُسَهم لا تُطاوِعُهم وألْسِنَتَهم لا تُساعِدُهم عَلى التَّلَفُّظِ بِهِ مُثْبِتًا لِأحَدِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ وكَأنَّهم تَأْكِيدًا لِتِلْكَ الإشارَةِ عَدَلُوا عَمَّنْ وُجِدَ عِنْدَهُ إلى مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ وهو تَقْدِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ بِإعادَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ ولَيْسَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ فالغَرَضُ مِنَ الأوَّلِ إفادَةُ الحُكْمِ ومِنَ الثّانِي إفادَةُ حَقِّيَّتِهِ والِاحْتِفاظُ بِشَأْنِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَذا ما تَلَخَّصَ وتَحَقَّقَ لِلنّاظِرِ في المَسْألَةِ لا مِرْيَةَ فِيهِ قِيلَ: وذَكَرَ الفاءَ في ذَلِكَ لِتَفَرُّغِهِ عَلى ما قَبْلَهُ ادِّعاءً وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ تَرْكَها لِمَكانِ التَّأْكِيدِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ قَدْ تُعْطَفُ لِنُكْتَةٍ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ المَعانِي وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿مَن﴾ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ ﴿جَزاؤُهُ﴾ وأنْ تَكُونَ ﴿مَن﴾ شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً و﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ و( جَزاؤُهُ فَهو جَزاؤُهُ ) والفاءُ رابِطَةٌ والشَّرْطُ وجَزاؤُهُ خَبَرٌ أيْضًا كَما في احْتِمالِ المَوْصُولَةِ واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ عَنْ عائِدٍ إلَيْهِ لِأنَّ الضَّمِيرَ المَذْكُورَ لِمَن لا لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جُعِلَ الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو الجَزاءُ الثّانِي قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ والرَّبْطُ كَما يَكُونُ بِالضَّمِيرِ يَكُونُ بِالظّاهِرِ والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو أيْ فَهو الجَزاءُ وفي العُدُولِ ما عُلِمَ مِنَ التَّقْرِيرِ السّابِقِ وإزالَةِ اللَّبْسِ والتَّفْخِيمِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ فَهو كاللّازِمِ وقَدْ (p-28)صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِأنَّ الإظْهارَ هُنا أحْسَنُ مِنَ الإضْمارِ وعَلَّلَهُ بِبَعْضِ ما ذُكِرَ وأنْشَدَ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ اعْتِراضًا عَلى هَذا الجَعْلِ مِن أنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ إنَّما يُفَصَّحُ إذا كانَ المَقامُ مَقامَ تَعْظِيمٍ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ﴿جَزاؤُهُ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَسْؤُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ فَهو حِكايَةُ قَوْلِ السّائِلِ ويَكُونُ ﴿مَن وُجِدَ﴾ .. إلَخْ بَيانًا وشُرُوعًا في الفَتْوى وهَذا عَلى ما قِيلَ كَما يَقُولُ مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَإنَّ قَوْلَ المُفْتِي: جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ بِتَقْدِيرِ ما اسْتَفْتَيْتُ فِيهِ أوْ سَألْتُ عَنْهُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِلْحُكْمِ وشَرْحٌ لِلْجَوابِ ولَيْسَ التَّقْدِيرُ ما أذْكُرُهُ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ لِأنَّ مَقامَ الجَوابِ والسُّؤالِ نابَ عَنْهُ نَعَمْ إذا ابْتَدَأ العالِمُ بِإلْقاءِ مَسْألَةٍ فَهُنالِكَ يُناسِبُ هَذا التَّقْدِيرَ. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الإخْبارِ عَنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ وكَذا يُقالُ في المِثالِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ إعْلامُ المُفْتِي المُسْتَفْتِي أنَّهُ قَدْ أحاطَ خَبَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيَأْخُذَ فَتْواهُ بِالقَبُولِ ولا يَتَوَقَّفُ في ذَلِكَ لِظَنِّ الغَفْلَةِ فِيها عَنْ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ وهي فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّ المَسْؤُولَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ جَوابِهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيُجِيبُ وهو كَما تَرى ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفى ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ . بِالسَّرِقَةِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الإخْوَةِ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ غِبُّ تَأْكِيدٍ وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِكَمالِ بَراءَتِهِمْ عَنْها وهم عَمّا فُعِلَ بِهِمْ غافِلُونَ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: كَلامُهُ نَفْسُهُ أيْ مِثْلُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ نَجْزِي السّارِقِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب