الباحث القرآني
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا صَنَعَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: (قالَ) مُناجِيًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ الَّذِي وعَدَتْنِي بِالإلْقاءِ فِيهِ، وهو اسْمٌ لِلْمَحْبَسِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ (p-235)سَجَنَهُ أيْ حَبَسَهُ وهو في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ (رَبُّ) بِالضَّمِّ و(السِّجْنِ) بِكَسْرِ السِّينِ والجَرِّ عَلى الإضافَةِ –فَرَبُّ- حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِقاءُ صاحِبِ السِّجْنِ أوْ مُقاساةُ أمْرِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً قَلِيلَةً نافِدَةً إثْرَها راحاتٌ كَثِيرَةٌ أبَدِيَّةٌ ﴿مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُواتاتِها الَّتِي تُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ والعَذابِ الألِيمِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ عَلى بابِها إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِبَةُ مَحَبَّةٍ لِما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ وإنَّما هو والسِّجْنُ شَرّانِ أهْوَنُهُما وأقْرَبُهُما إلى الإيثارِ السِّجْنُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإيثارِ بِالمَحَبَّةِ لِحَسْمِ مادَّةِ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ لَها عَلى مَطْلُوبِها خَوْفًا مِنَ الحَبْسِ، والِاقْتِصارُ عَلى السَّجْنِ لِكَوْنِ الصِّغارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: اكْتَفى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ السِّجْنِ عَنْ ذِكْرِهِ لِوَفائِهِ بِالغَرَضِ وهو قَطْعُ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ خَوْفًا مِمّا تَوَعَّدَتْهُ لِأنَّها تَظُنُّ أنَّ السِّجْنَ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّغارِ بِناءً عَلى زَعْمِها أنَّهُ فَتاها حَقِيقَةً وأنَّ الفِتْيانَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَشَقَّةَ السَّجْنِ، ومَتى كانَ الأشَدُّ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَ غَيْرُ الأشَدِّ أحَبَّ إلَيْهِ مِن بابٍ أوْلى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ عَنْ مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ: أطِعْ مَوْلاتَكَ واقْضِ حاجَتَها لِتَأْمَنَ مِن عُقُوبَتِها فَإنَّها المَظْلُومَةُ وأنْتَ الظّالِمُ، ورُوِيَ أنَّ كُلًّا مِنهُنَّ طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِنَصِيحَتِهِ فَلَمّا خَلَتْ بِهِ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِ سِرًّا تَسْألُهُ الزِّيارَةَ، فَإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ أيْضًا دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ صَرِيحًا أوْ إشارَةً.
وفِي أثَرٍ ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ إلَخْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُوسُفُ أنْتَ جَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ ولَوْ قُلْتَ: العافِيَةُ أحَبُّ إلَيَّ عُوفِيتَ، ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصَّبْرَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سَألْتَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ فاسْألْهُ العافِيَةَ“».
﴿وإلا تَصْرِفْ﴾ أيْ وإنْ لَمْ تَدْفَعْ ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ لَدَيَّ بِأنْ تُثَبِّتَنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ أمِلْ عَلى قَضِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ إلى إجابَتِهِنَّ بِمُواتاتِها، أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ وهو كِنايَةٌ عَنْ مُواتاتِهِنَّ، وهَذا فَزَعٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ والنَّجاةِ عَنِ الشُّرُورِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ الإجْبارَ الإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى السُّوءِ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، وقَدْ أخَذَهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَكِنْ قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ فِرارٌ إلى الِاعْتِزالِ وإشارَةٌ إلى جَوابِ اسْتِدْلالِ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الإمامُ بِما قَرَّرَهُ فَلْيُراجَعْ ولْيُتَأمَّلْ، وأصْلُ (إلّا) إنْ لا فَهي مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ ولا النّافِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ بِاللّامِ و(أصْبُ) مِن صَبا يَصْبُو صَبْوًا وصَبْوَةً إذا مالَ إلى الهَوى، ومِنهُ الصَّبا لِلرِّيحِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورُوحِها، مُضارِعٌ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ﴾ وجِيءَ بِالأُولى اسْمِيَّةً دُونَ الثّانِيَةِ لِأنَّ أحْبِيَّتَهُ السِّجْنَ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَتْ ثابِتَةً مُسْتَمِرَّةً ولا كَذَلِكَ الصَّرْفُ المَطْلُوبُ، وقُرِئَ (أصْبُ) مِن صَبَيْتُ صَبابَةً (p-236)إذا عَشِقْتَ، وفي البَحْرِ الصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ كَأنَّ صاحِبَها يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ أيْضًا ولِذا عُدِّيَ بِإلى أيْ أصْبُ مائِلًا إلَيْهِنَّ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فالجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ ضِدُّ الحِكْمَةِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
{"ayah":"قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَیَّ مِمَّا یَدۡعُونَنِیۤ إِلَیۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّی كَیۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَیۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَـٰهِلِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











