الباحث القرآني

سُورَةُ المَسَدِ وتُسَمّى سُورَةَ المَسَدِ، وهي مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ بِلا خِلافٍ في الأمْرَيْنِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دُخُولَ النّاسِ في مِلَّةِ الإسْلامِ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ هَلاكِ بَعْضٍ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيها وخُسْرانِهِ. ؎عَلى نَفْسِهِ فَلْيَبْكِ مَن ضاعَ عُمْرُهُ ولَيْسَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ ولا سَهْمُ كَذا قِيلَ في وجْهِ الِاتِّصالِ، وقِيلَ: هو مِنَ اتِّصالِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ وفي كُلٍّ مَسَرَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ الإمامُ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إلَهِي، فَما جَزائِي؟» فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لَكَ النَّصْرُ والفَتْحُ فَقالَ: «فَما جَزاءُ عَمِّي الَّذِي دَعانِي إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؟» فَقالَ: تَبَّتْ يَداهُ. وقَدَّمَ الوَعْدَ عَلى الوَعِيدِ (p-260)لِيَكُونَ النَّصْرُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَ دِينِ﴾ والوَعِيدُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ عَلى حَدِّ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الآيَةَ... فَتَأمَّلْ هَذِهِ المُجانَسَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ مَعَ أنَّ سُورَةَ النَّصْرِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وتَبَّتْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ لِتَعْلَمَ أنَّ تَرْتِيبَها مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قالَ: ووَجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهِي ما جَزاءُ المُطِيعِ؟ قالَ: حُصُولُ النَّصْرِ والفَتْحِ. ثُمَّ قِيلَ: فَما جَزاءُ العاصِي؟ قالَ: الخَسارُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ تَبَّتْ. انْتَهى وهو كَما تَرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ﴾ أيْ: هَلَكَتْ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أشابَّةٌ أمْ تابَّةٌ؟ يُرِيدُونَ أمْ هالِكَةٌ مِنَ الهَرَمِ والتَّعْجِيزِ؛ أيْ: خَسِرَتْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وقَتادَةُ، وعَنِ الأوَّلِ أيْضًا خابَتْ، وعَنْ يَمانِ بْنِ وثّابٍ: صَفِرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ وهي عَلى ما في البَحْرِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وقالَ الشِّهابُ: إنَّ مادَّةَ التَّبابِ تَدُورُ عَلى القَطْعِ وهو مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ؛ ولِذا فُسِّرَ بِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: هو الِاسْتِمْرارُ في الخُسْرانِ ولِتَضَمُّنِهِ الِاسْتِمْرارَ قِيلَ: اسْتَتَبَّ لِفُلانٍ كَذا أيِ اسْتَمَرَّ، ويَرْجِعُ هَذا المَعْنى إلى الهَلاكِ. ﴿يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ شَدِيدَ المُعاداةِ والمُناصَبَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِن ذَلِكَ ما في المَجْمَعِ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ قالَ: «بَيْنا أنا بِسُوقِ ذِي المَجازِ إذا أنا بِرَجُلٍ حَدِيثِ السِّنِّ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ، قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وإذا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قَدْ أدْمى ساقَيْهِ وعُرْقُوبَيْهِ ويَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تُصَدِّقُوهُ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ فَقالُوا: هو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وهَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ يَزْعُمُ أنَّهُ كَذّابٌ». وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: «يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ». لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم. أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ»؟ قالُوا: نَعَمْ؛ ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ». فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ الأيّامِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَنَزَلَتْ». ويُرْوى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ القَوْلِ أخَذَ بِيَدَيْهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَ بِها رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن هَذا يُعْلَمُ وجْهُ إيثارِ التَّبابِ عَلى الهَلاكِ ونَحْوِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ وكَذا مِمّا رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ أبا لَهَبٍ قالَ لَمّا خَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ وظاهَرَ قُرَيْشًا: إنَّ مُحَمَّدًا يَعِدُنا أشْياءَ لا نَراها كائِنَةً؛ يَزْعُمُ أنَّها كائِنَةٌ بَعْدَ المَوْتِ، فَماذا وضَعَ في يَدَيْهِ ثُمَّ نَفَخَ في يَدَيْهِ ثُمَّ قالَ: تَبًّا لَكُما ما أرى فِيكُما شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ . ومِمّا رُوِيَ عَنْ طارِقٍ يُعْلَمُ وجْهُ الثّانِي فَقَطْ؛ فاليَدانِ عَلى المَعْنى المَعْرُوفِ والكَلامُ دُعاءٌ بِهَلاكِهِما. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وتَبَّ﴾ دُعاءٌ بِهَلاكِ كُلِّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا إخْبارَيْنِ بِهَلاكِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في المَوْضِعَيْنِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ. وقالَ الفَرّاءُ: الأوَّلُ دُعاءٌ بِهَلاكِ جُمْلَتِهِ عَلى أنَّ اليَدَيْنِ إمّا كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ والنَّفْسِ لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، أوْ مَجازٌ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ، والقَوْلُ في رَدِّهِ أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ يَعْدَمُ بِعَدَمِهِ؛ كالرَّأْسِ والرَّقَبَةِ واليَدِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِتَصْرِيحِ فُحُولٍ بِخِلافِهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ أوِ المُرادُ عَلى ما قِيلَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ يَعْدَمُ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كَما في إطْلاقِ العَيْنِ عَلى الرَّبِيئَةِ واليَدِ عَلى المُعْطِي أوِ المُتَعاطِي لِبَعْضِ الأفْعالِ؛ فَإنَّ الذّاتَ مِن حَيْثُ اتِّصافُها بِما قُصِدَ اتِّصافُها بِهِ تَعْدَمُ بِعَدَمِ ذَلِكَ العُضْوِ، والثّانِي إخْبارٌ بِالحُصُولِ؛ أيْ: وكانَ ذَلِكَ وحَصَلَ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎جَزانِي جَزاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزائِهِ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ واسْتُظْهِرَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ وقَدْ مُقَدَّرَةٌ عَلى المَشْهُورِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-261)فِي سَبَبِ النُّزُولِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: «تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ» وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً؛ لِأنَّ «قَدْ» لا تَدْخُلُ عَلى أفْعالِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: الأوَّلُ إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ عَمَلِهِ حَيْثُ لَمْ يُفِدْهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأنَّ الأعْمالَ تُزاوَلُ بِالأيْدِي غالِبًا. والثّانِي إخْبارٌ عَنْ هَلاكِ نَفْسِهِ. وفي التَّأْوِيلاتِ اليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ وكانَ يُحْسِنُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإلى قُرَيْشٍ ويَقُولُ: إنْ كانَ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ فَلِي عِنْدَهُ يَدٌ، وإنْ كانَ لِقُرَيْشٍ فَكَذَلِكَ، فَأُخْبِرَ أنَّهُ خَسِرَتْ يَدُهُ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِنادِهِ لَهُ ويَدُهُ الَّتِي عِنْدَ قُرَيْشٍ أيْضًا بِخُسْرانِ قُرَيْشٍ وهَلاكِهِمْ في يَدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهَذا مَعْنى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ . والمُرادُ بِالثّانِي الإخْبارُ بِهَلاكِهِ نَفْسِهِ وذُكِرَ بِكُنْيَتِهِ لِاشْتِهارِهِ بِها وقَدْ أُرِيدَ تَشْهِيرُهُ بِدَعْوَةِ السُّوءِ، وأنْ تَبْقى سِمَةً لَهُ، وذِكْرُهُ بِأشْهَرِ عَلَمَيْهِ أوْفَقُ بِذَلِكَ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: «يَدا أبُو لَهَبٍ» كَما قِيلَ عَلِيُّ بْنُ أبُو طالِبٍ ومُعاوِيَةُ بْنُ أبُو سُفْيانَ؛ لِئَلّا يُغَيَّرَ مِنهُ شَيْءٌ فَيُشْكِلُ عَلى السّامِعِ، أوْ لِكَراهَةِ ذِكْرِ اسْمِهِ القَبِيحِ أوْ لِأنَّهُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ كانَ يُكَنّى بِذَلِكَ لِتَلَهُّبِ وجْنَتَيْهِ وإشْراقِهِما، فَذُكِرَ بِذَلِكَ تَهَكُّمًا بِهِ وبِافْتِخارِهِ بِذَلِكَ، أوْ لِتَجانُسِ ذاتِ لَهَبٍ ويُوافِقُهُ لَفْظًا ومَعْنًى. والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتَجْنِيسٍ لَفْظِيٍّ لِأنَّهُ لَيْسَ في الفاصِلَةِ وهْمٌ؛ فَإنَّهم لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِيهِ أوْ لِجَعْلِهِ كِنايَةً عَنِ الجَهَنَّمِيِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبَّتْ يَدا جَهَنَّمِيٍّ، وذَلِكَ لِأنَّ انْتِسابَهُ إلى اللَّهَبِ كانْتِسابِ الأبِ إلى الوَلَدِ يَدُلُّ عَلى مُلابَسَتِهِ لَهُ ومُلازَمَتِهِ إيّاهُ كَما يُقالُ: هو أبُو الخَيْرِ وأبُو الشَّرِّ وأخُو الفَضْلِ وأخُو الحَرْبِ لِمَن يُلابِسُ هَذِهِ الأُمُورَ ويُلازِمُها، ومُلازَمَتُهُ لِذَلِكَ تَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ جَهَنَّمِيًّا لَزْمًا عُرْفِيًّا فَإنَّ اللَّهَبَ الحَقِيقِيَّ هو لَهَبُ جَهَنَّمَ، فالِانْتِقالُ مِن أبِي لَهَبٍ إلى جَهَنَّمِيٍّ انْتِقالٌ مِنَ المَلْزُومِ إلى اللّازِمِ أوْ بِالعَكْسِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ في الكِنايَةِ؛ فَإنَّ التَّلازُمَ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ مُتَحَقِّقٌ في الخارِجِ والذِّهْنِ إلّا أنَّ هَذا اللُّزُومَ إنَّما هو بِحَسْبِ الوَضْعِ الأوَّلِ أعْنِي الإضافِيَّ دُونَ الثّانِي أعْنِي العَلَمِيِّ، وهم يَعْتَبِرُونَ في الكُنى المَعانِيَ الأصْلِيَّةَ. فَأبُو لَهَبٍ بِاعْتِبارِ الوَضْعِ العَلَمِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّخْصِ المُعَيَّنِ ويَنْتَقِلُ مِنهُ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ الأصْلِيِّ إلى مُلابِسِ اللَّهَبِ ومُلازِمِهِ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى أنَّهُ جَهَنَّمِيٌّ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الصِّفَةِ بِالواسِطَةِ وهَذا ما اخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي فَعِنْدَهُ كِنايَةٌ بِلا واسِطَةٍ لِأنَّ مَعْناهُ الأصْلِيَّ أعْنِي مَلابِسَ اللَّهَبِ مَلْحُوظٌ مَعَ مَعْناهُ العَلَمِيِّ وأحَقُّ مَعَ العَلامَةِ لِأنَّ أبا لَهَبٍ يُسْتَعْمَلُ في الشَّخْصِ المُعَيَّنِ والمُتَكَلِّمِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِمُ المَعانِيَ الأصْلِيَّةَ في الكُنى يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى المَعْنى الأصْلِيِّ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى الجَهَنَّمِيِّ، ولا يُلاحَظُ مَعَهُ مَعْناهُ الأصْلِيُّ وإلّا لَكانَ لَفْظُ أبِي لَهَبٍ في الآيَةِ مَجازًا سَواءً لُوحِظَ مَعَهُ مَعْناهُ الأصْلِيُّ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ أوِ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِلْمَجْمُوعِ، وما قِيلَ: إنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ لا يَكُونُ مَقْصُودًا في الكِنايَةِ وأنَّ مَناطَ الفائِدَةِ والصِّدْقِ والكَذِبِ فِيها هو المَعْنى الثّانِي. وهاهُنا قُصِدَ الذّاتُ المُعَيَّنُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ مَعَ جَوازِ إرادَتِهِ مَعَهُ فَيَجُوزُ هاهُنا أنْ يَكُونَ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادًا. وفي المِفْتاحِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ في الكِنايَةِ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ ولازِمُهُ جَمِيعًا، وزَعَمَ السَّيِّدُ أيْضًا أنَّ الكِنايَةَ في أبِي لَهَبٍ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ بِهَذا الِاسْمِ وبِكَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا فَدَلَّ اسْمُهُ عَلى كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا دَلالَةَ حاتِمٍ عَلى أنَّهُ جَوادٌ، فَإذا أُطْلِقَ وقُصِدَ بِهِ الِانْتِقالُ إلى هَذا المَعْنى يَكُونُ كِنايَةً عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ الكِنايَةُ في مِثْلِهِ مَوْقُوفَةً عَلى اشْتِهارِ الشَّخْصِ بِذَلِكَ العَلَمِ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهم يَنْتَقِلُونَ مِنَ الكُنْيَةِ إلى ما يَلْزَمُ مُسَمّاها بِاعْتِبارِ الأصْلِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الشُّهْرَةِ قالَ الشّاعِرُ: ؎قَصَدْتُ أنا المَحاسِنَ كَيْ أراهُ ∗∗∗ لِشَوْقٍ كادَ يَجْذِبُنِي إلَيْهِ ؎فَلَمّا أنْ رَأيْتُ رَأيْتُ فَرْدًا ∗∗∗ ولَمْ أرَ مِن بَنِيهِ ابْنًا لَدَيْهِ (p-262)عَلى أنَّ فِيهِ بُعْدَ ما فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ: «أبِي لَهْبٍ» بِسُكُونِ الهاءِ وهو مِن تَغْيِيرِ الأعْلامِ عَلى ما في الكَشّافِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: الفَتْحُ والسُّكُونُ لُغَتانِ وهو قِياسٌ عَلى المَذْهَبِ الكُوفِيِّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب