الباحث القرآني

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ. ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ، وإنَّما شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ لِأنَّ عَذابَ كُلٍّ كانَ بِالصَّيْحَةِ غَيْرَ أنَّهُ رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودَ كانْتْ مِن تَحْتِهِمْ، وصَيْحَةُ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ. وقَرَأ السِّلْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ (بَعُدَتْ) بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ مِن بَعِدَ يَبْعَدُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎يَقُولُونَ: (لا تَبْعُدُ) وهم يَدْفِونني وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا بَعُدَ يَبْعُدُ بِالضَّمِّ فَهو البُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قِيلَ: أرادَتِ العَرَبُ بِهَذا التَّغْيِيرِ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، وفي القامُوسِ البُعْدُ المَعْرُوفُ والمَوْتُ، وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ بَعُدَ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ بِالكَسْرِ في الشَّرِّ خاصَّةً، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالمُرادُ بِبَعِدَتْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا هَلَكَتْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ في ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَن هَلَكَ فَقَدْ بَعُدَ ونَأى كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ومَن كانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ ∗∗∗ شَهْرانِ فَهو في غايَةِ (البُعْدِ) (p-130)وفِي الآيَةِ ما يُسَمّى الِاسْتِطْرادَ، قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ مِن هَذا النَّوْعِ إلّا ما في هَذا المَوْضِعِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتُ مَنجى الحَرْثِ بْنِ هِشامِ ؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمَّرَةٍ ولِجامِ * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانُهُ أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَلَكَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُسَلِّطُ أحَدًا عَلى أحَدٍ إلّا عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَنْبٍ أوْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وإعْلاءِ مَنزِلَةٍ؛ لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَدْلِ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَهو دابَّةٌ فَإنَّهُ ذُو رُوحٍ وما ثَمَّ مَن يَدُبُّ بِنَفْسِهِ وإنَّما يَدِبُّ بِغَيْرِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلَّذِي هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ماشٍ فَهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحِينَئِذٍ فَلا مَغْضُوبَ عَلَيْهِ ولا ضالَّ مِن هَذا الوَجْهِ، نَعَمْ إنَّ النّاسَ عَلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ الكَشْفِ وأهْلِ الحِجابِ، فالأوَّلُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ غايَتَها، فَهي في حَقِّهِمْ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ كَما أنَّها في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، والآخَرُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَجْهَلُونَها ولا يَعْرِفُونَ غايَتَها وأنَّها تَنْتَهِي إلى الحَقِّ، فَهي في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وإنْ كانَتْ عِنْدَ العارِفِ ونَفْسِ الأمْرِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، واسْتَنْبَطَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَآلَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وهي الرَّحْمَةُ السّابِقَةُ عَلى الغَضَبِ، وادَّعى أنَّ فِيها بِشارَةً لِلْخَلْقِ أيَّ بِشارَةٍ. وقالَ القَيْصَرِيُّ في تَفْسِيرِها: أيْ ما مِن شَيْءٍ مَوْجُودٍ إلّا هو سُبْحانَهُ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ وإنَّما جُعِلَ دابَّةً لِأنَّ الكُلَّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّهُودِ وأهِلِ الوُجُودِ حَيٌّ، فالمَعْنى ما مِن حَيٍّ إلّا والحَقُّ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ ومُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِحَسَبِ أسْمائِهِ يَسْلُكُ بِهِ أيَّ طَرِيقٍ شاءَ مِن طُرُقِهِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (آخِذٌ) إلى هُوِيَّةِ الحَقِّ الَّذِي مَعَ كُلٍّ مِنَ الأسْماءِ ومَظاهِرِها، وإنَّما قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ وتَنْكِيرِ الصِّراطِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ رَبٍّ عَلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الجامِعُ لِلطُّرُقِ هو المَخْصُوصُ بِالِاسْمِ الآلِهِيِّ ومُظْهِرُهُ، لِذَلِكَ قالَ في الفاتِحَةِ المُخْتَصَّةِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِلامِ العَهْدِ، أوِ الماهِيَّةِ الَّتِي مِنها تَتَفَرَّعُ جُزْئِيّاتُها، فَلا يُقالُ: إذا كانَ كُلُّ أحَدٍ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَما فائِدَةُ الدَّعْوَةِ؟ لِأنّا نَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى الهادِي مِنَ المُضِلِّ، وإلى العَدْلِ مِنَ الجائِرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ انْتَهى بِحُرُوفِهِ، وأعْظَمُ مِن هَذا إشْكالًا التَّكْلِيفُ مَعَ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وكَذا التَّنْعِيمُ والتَّعْذِيبُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّقْدِيرِ لِكَلامِ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُكَلَّفَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ هو حِصَّةٌ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ عَلى حَقائِقِ المُمْكِناتِ المُتَعَيِّنِ بِتَعَيُّناتٍ مُخْتَلِفَةٍ اقْتَضَتْها الِاسْتِعْداداتُ الذّاتِيَّةُ لِلْحَقائِقِ الَّتِي هي المَعْدُوماتُ المُتَمَيِّزَةُ في نَفْسِ الأمْرِ المُسْتَعِدَّةُ بِاسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةٍ غَيْرِ مَجْعُولَةٍ، فالمُكَلَّفُ مُقَيَّدٌ مِن مُقَيِّداتِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ، والمُقَيَّدُ لا يُوجَدُ بِدُونِ المُطْلَقِ لِأنَّهُ قَيُّومُهُ، والمُطْلَقُ مِن حَيْثُ الإطْلاقُ عَيْنُ الحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ قاعِدَةَ التَّكْلِيفِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُغايَرَةٌ ومُبايَنَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ حَتّى يَصِحَّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّنْعِيمِ. وأُجِيبَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ بِتَمَيُّزٍ ذاتِيٍّ غَيْرِ مَجْعُولٍ ووُجُودُهُ خاصٌّ مُقَيَّدٌ بِخُصُوصِيَّةٍ ما (p-131)اقْتَضاها اسْتِعْدادُهُ الذّاتِيُّ لِماهِيَّتِهِ العَدَمِيَّةِ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الوُجُودِ والعَدَمِ، وحَقِيقَتُهُ مُغايِرَةٌ لِوُجُودِهِ تَعَقُّلًا لِتَمايِزِهِما ذِهْنًا، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُ الأشْعَرِيِّ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ حَقِيقَتِهِ لِما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وحَقِيقَةُ الحَقِّ تَعالى لا تُغايِرُ وُجُودَهُ ووُجُودُهُ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المُطْلَقُ بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ حَسْبَما حَقَّقَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ، فالمُغايَرَةُ الذّاتِيَّةُ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ في غايَةِ الظُّهُورِ لِأنَّ المُكَلَّفَ هو المَعْدُومُ اللّابِسُ لِحِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المُتَعَيِّنِ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ، والمُكَلِّفُ سُبْحانَهُ هو الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو عَيْنُ الوُجُودِ المُطْلِقِ غَيْرُ المُقْتَرِنِ بِماهِيَّةٍ عَدَمِيَّةٍ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ، وحَقِيقَةُ الواجِبِ سُبْحانَهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ وقَدْ وقَعَ في البَيْنِ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ في العَبْدِ وذَلِكَ التَّجَلِّي هو الجامِعُ لِلْقُدْرَةِ وغَيْرِها مِنَ الكَمالاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ومُحَقِّقٌ لِلْمُغايَرَةِ. وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المَزْجِ بَيْنَ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ والصُّورَةِ الخِلْقِيَّةِ المُتَعَيَّنَةِ بِمُقْتَضى الحَقِيقَةِ العَدَمِيَّةِ هي الَّتِي أحْدَثَتْ ما بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الحَقِّ سُبْحانَهُ قَيُّومًا لِلْوُجُودِ المُقَيَّدِ غَيْرُ قادِحٍ في ذَلِكَ بَلِ القَيُّومِيَّةُ هي المُصَحِّحَةُ لَهُ لِما تَبَيَّنَ مِنَ النُّصُوصِ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلّا بِالوُسْعِ ولا وُسْعَ لِلْمُمْكِنِ إلّا بِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى بِنَصِّ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ وما هو بِاللَّهِ فَهو لِلَّهِ تَعالى، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وبَعْضُ كَلِماتِهِمْ يَتَراءى مِنها عَدَمُ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: ؎لَقَدْ كُنْتَ دَهْرًا قَبْلَ أنْ يُكْشَفَ الغَطا إخالُكَ أنِّي ذاكِرٌ لَكَ شاكِرُ ؎فَلَمّا أضاءَ اللَّيْلُ أصْبَحْتُ شاهِدًا ∗∗∗ بِأنَّكَ مَذْكُورٌ وذِكْرٌ وذاكِرُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ لا يُبادِرَ سامِعُها بِالإنْكارِ، ويَرْجِعُ في المُرادِ مِنها إلى العارِفِينَ بِدَقائِقِ الأسْرارِ، هَذا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيما قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَهُنا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ الفُتُوَّةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ مِن آدابِها إذا نَزَلَ الضَّيْفُ أنْ يَبْدَأ بِالكَرامَةِ في الإنْزالِ، ثُمَّ يُثْنِي بِالكَرامَةِ بِالطَّعامِ، وإنَّما أوْجَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ خِيفَةً لِأنَّهُ ظَنَّ الغَضَبَ، والخَلِيلُ يَخْشى غَضَبَ خَلِيلِهِ ومُناهُ رِضاهُ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: ؎لَعَلَّكَ غَضْبانُ ولَسْتَ بِعالِمِ سَلامٍ ∗∗∗ عَلى الدّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيًا وفِي هَذِهِ القِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَنْسَدُّ بابُ الفِراسَةِ عَلى الكامِلِينَ لِحِكَمٍ يُرِيدُها اللَّهُ تَعالى، ومِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ إبْراهِيمُ وكَذا لُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ مَقامِ الإدْلالِ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ قِيلَ: يُشِيرُ بِالقُوَّةِ إلى الهِمَّةِ وهي عِنْدَهُمُ القُوَّةُ المُؤَثِّرَةُ في النُّفُوسِ لِأنَّ القُوَّةَ مِنها جِسْمانِيَّةٌ، ومِنها رُوحانِيَّةٌ، وهَذِهِ المُسَمّاةُ بِالهِمَّةِ وهي أقْوى تَأْثِيرًا لِأنَّها قَدْ تُؤَثِّرُ في أكْثَرِ العالَمِ أوْ كُلِّهِ بِخِلافِ الجِسْمانِيَّةِ، وقَصَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ القَبِيلَةَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تَظْهَرُ في الخارِجِ إلّا عَلى أيْدِي المَظاهِرِ فَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ أنْصارًا يَنْصُرُونَهُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ورَدَّدَ الأمْرَ بَيْنَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ لَهُ هِمَّةً مُؤَثِّرَةً مِن نَفْسِهِ لِيُقاوِمَ بِها الأعْداءَ، وقَدْ عَلِمْتُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن قَوْلِهِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا» الخَبَرَ. وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الخَبَرِ أنَّ لُوطًا كانَ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-132)﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ والإشارَةُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن كانَ في حَيِّزٍ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى ولِلْواعِظِ أنْ لا يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ: ؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عِنْدَ العَبْدِ أعَزَّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب