الباحث القرآني

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ.. أوْ وقْتُهُ فَإنَّ الِارْتِقابَ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وهو الإيمانُ الَّذِي وفَّقْناهم لَهُ أوْ بِرَحْمَةٍ كائِنَةٍ لَهُمْ، وإنَّما جِيءَ بِالفاءِ في قِصَّتَيْ ثَمُودَ ولُوطٍ حَيْثُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاءَ أمْرنا ) وبِالواوِ هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ حَيْثُ قِيلَ: ( ولَمّا جاءَ ) إلَخْ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ هُناكَ سابِقَةَ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُقْتَضِي لِدُخُولِ الفاءِ في مَعْلُولِهِ، وأمّا هَهُنا وفي قِصَّةِ عادٍ فَلَمْ يَسْبِقْ مِثْلُ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ مَجِيءَ العَذابِ عَلى أنَّهُ قِصَّةٌ بِنَفْسِهِ وما قَبْلَهُ قِصَّةٌ أُخْرى لَكِنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِقَوْمٍ واحِدٍ فَهُما مُتَشارِكانِ مِن وجْهٍ مُفْتَرِقانِ مِن آخَرَ وذَلِكَ مَقامُ الواوِ كَذا قِيلَ. وتَعَقَّبَ في الكَلامِ هَهُنا ذِكْرَ الوَعْدِ أيْضًا وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يا قَوْمٌ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم ) إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَقِيبٌ﴾ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بِلَفْظِ الوَعْدِ ومِثْلُهُ لا يَكْفِي في الفَرْقِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ الفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لِقُرْبِ عَذابِ قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ، فَإنَّ بَيْنَ الأوَّلِينَ والعَذابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وبَيْنَ الآخَرِينَ وبَيْنَهُ ما بَيْنَ قَوْلِ المَلائِكَةِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ والصُّبْحُ: وهي سُوَيْعاتٌ يَسِيرَةٌ ولا كَذَلِكَ عَذابُ قَوْمَيْ شُعَيْبٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، بَلْ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ تَضْيِيقِ زَمانِ مَجِيءِ العَذابِ بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ -سَوْفَ- عَلى أنَّ مَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ لَمْ يَشُكَّ في الفَرْقِ بَيْنَ الوَعْدِ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ والوَعْدِ في غَيْرِهِما، فَإنَّ الإشْعارَ بِالمَجِيءِ فِيهِما ظاهِرٌ فَحَسُنَ تَفْرِيعُهُ بِالفاءِ ولا كَذَلِكَ في غَيْرِهِما، كَذا قِيلَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى التَّفْرِقَةِ بِالقُرْبِ (p-129)وعَدَمِهِ أقَلُّ غائِلَةٍ مِمّا قِيلَ، وكَذا مِمّا يُقالُ: مِن أنَّ الإتْيانَ بِالفاءِ -لِتَقَدُّمِ الوَعْدِ، وتَرْكُها وإنْ كانَ هُناكَ وعْدٌ لِلْإشارَةِ إلى سُوءِ حالِ أُولَئِكَ القَوْمَيْنِ ومَزِيدِ فَظاعَتِهِ حَتّى أنَّ العَذابَ حَلَّ بِهِمْ لا لِسَبَبِ سَبْقِ الوَعْدِ بَلْ لِمُجَرَّدِ ظُلْمِهِمْ، وكَأنَّ وجْهَ اعْتِبارِ ذَلِكَ فِيهِمْ دُونَ قَوْمَيْ لُوطٍ وصالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّهُمُ امْتازُوا عَنْهم بِرَمْيِ ذَيْنَكِ النَّبِيَّيْنِ بِالجُنُونِ ومُشافَهَتِهِما بِما لَمْ يُشافِهْ بِهِ كُلٌّ مِن قَوْمَيْ صالِحٍ ولُوطٍ نَبِيَّهُ فِيما قَصَّ عَنْهُما في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما لا يَكادُ يَخْفى عَلَيْكَ فَتَدَبَّرْ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِالعِلْيَةِ أيْ وأخَذَتْ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي فُصِّلَ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا وكانَتْ صَيْحَةً عَلى الحَقِيقَةِ، وجَوَّزَ البَلْخِيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها نَوْعًا مِنَ العَذابِ، والعَرَبُ تَقُولُ: صاحَ بِهِمُ الزَّمانُ إذا هَلَكُوا، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا (صِيحَ) في حُجُراتِهِ ولَكِنْ حَدِيثُ ما حَدِيثُ الرَّواحِلِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وقَدْ سَبَقَ في الأعْرافِ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ بَدَلُها، ولَعَلَّها كانَتْ مِن مَبادِيها فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ مَيِّتِينَ مِن جَثَمَ الطّائِرُ إذا ألْصَقَ بَطْنَهُ بِالأرْضِ، ولِذا خَصَّ الجُثْمانُ بِشَخْصِ الإنْسانِ قاعِدًا، ثُمَّ تَوَسَّعُوا فاسْتَعْمَلُوا الجُثُومَ بِمَعْنى الإقامَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ مِن هَذا الجاثِمِ لِلْمَيِّتِ لِأنَّهُ لا يَبْرَحُ مَكانَهُ، ولِما لَمْ يَجْعَلْ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ إلَخْ.. نَفْسَ مَجِيءِ العَذابِ بَلْ مِن يَجِيئُهُ ذَلِكَ جَعَلَ مَجِيئَهُ بَعْدُ أمْرًا مُسَلَّمَ الوُقُوعِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ حَيْثُ جَعَلَ شَرْطًا، وجَعَلَ تَنْجِيَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ وإهْلاكَ الكَفَرَةِ الظّالِمِينَ جَوابًا لَهُ ومَقْصُودُ الإفادَةِ، وإنَّما قَدَّمَ التَّنْجِيَةَ اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإيذانًا بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، و–أصْبَحَ- إمّا ناقِصَةٌ أوْ تامَّةٌ أيْ صارُوا جاثِمِينَ، أوْ دَخَلُوا في الصَّباحِ حالَ كَوْنِهِمْ جاثِمِينَ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب