الباحث القرآني

﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ فَخالَفُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَعَقَرُوها، والعُقْرُ قِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: عَقَرْتُ البَعِيرَ إذا نَحَرْتَهُ، ويَجِيءُ بِمَعْنى الجُرْحِ أيْضًا -كَما في القامُوسِ- وأسْنَدَ العُقْرَ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مِنهم وهو قَدّارٌ –كَهَمّامٍ- في قَوْلٍ، ويُقالُ لَهُ: أحْمَرُ ثَمُودَ وبِهِ يُضْرَبُ المَثَلُ في الشُّؤْمِ لِرِضاهم بِفِعْلِهِ، وقَدْ جاءَ أنَّهُمُ اقْتَسَمُوا لَحْمَها جَمِيعًا (فَقالَ) لَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ عِيشُوا. ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ بَلَدِكُمْ، وتُسَمّى البِلادُ الدِّيارَ لِأنَّها يُدارُ فِيها أيْ يَتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ، وتَقُولُ العَرَبُ الَّذِينَ حَوالَيْ مَكَّةَ: نَحْنُ مِن عَرَبِ الدّارِ يُرِيدُونَ مِن عَرَبِ البَلَدِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو جَمْعُ دارَةَ كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعانَ: ؎لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا وتُطْلَقُ الدّارُ عَلى الدُّنْيا أيْضًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَها بَعْضُهم هُنا، وفَسَّرَ الطَّبَرْسِيُّ التَّمَتُّعَ بِالتَّلَذُّذِ أيْ تَلَذَّذُوا بِما تُرِيدُونَ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ثُمَّ يَأْخُذُكُمُ العَذابُ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ صَعِدَ فَصِيلُها الجَبَلَ ورَغا ثَلاثَ رَغَواتٍ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ، وابْتِداءُ الأيّامِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الأرْبِعاءُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وبَعْدَ غَدٍ مُحْمَرَّةً واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَكانَ كَما قالَ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن نُزُولِ العَذابِ عَقِيبَها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّفْخِيمِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وصارَ المَجْرُورُ مَفْعُولًا عَلى التَّوَسُّعِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ لا يَعْمَلُ بَعْدَ حَذْفِهِ، ويُسَمُّونَ هَذا الحَذْفَ والإيصالَ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ ويَكُونُ في الِاسْمِ –كَمُشْتَرِكٍ- وفي الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: (p-92)ويَوْمٌ شَهِدْناهُ سَلِيمًا وعامِرًا قَلِيلٌ سِوى طَعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهُ أوْ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ عَلى المَجازِ كَأنَّ الواعِدَ قالَ لَهُ: أفِي بِكَ فَإنْ وفى بِهِ صَدَّقَهُ وإلّا كَذَّبَهُ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقِيلَ: مَجازٌ مُرْسَلٌ بِجَعْلِ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ بِمَعْنى باطِلٍ ومُخْتَلِفٍ، أوْ وعْدٌ غَيْرُ كَذِبٍ عَلى أنَّ ﴿مَكْذُوبٍ﴾ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ كَمَجْلُودٍ ومَعْقُولٍ بِمَعْنى عَقْلٍ وجَلْدٍ فَإنَّهُ سُمِعَ مِنهم ذَلِكَ لَكِنَّهُ نادِرٌ، ولا يَخْفى ما في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ وعْدًا مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهَكُّمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب