الباحث القرآني

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ بِأمِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى، وشُرُوعٍ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ، وذَهَبَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ إلى أنَّ (أمْ) مُتَّصِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ أمْ يَقُولُونَ إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ البارِزُ في (افْتَراهُ) لِما يُوحى (قُلْ) إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وهو نَعْتٌ –لِسُوَرٍ- وكانَ الظّاهِرُ مُطابَقَتَهُ لَها في الجَمْعِ لَكِنَّهُ أفْرَدَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إذْ هو المَقْصُودُ لا مُماثَلَةُ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: مِثْلَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا يَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ وعَدَمُها فَيُوصَفُ بِهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ وقَدْ يُطابِقُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ هُنا صِفَةٌ لِمُفْرَدٍ مُقَدَّرٍ أيْ قَدْرَ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ وصْفٌ لِمَجْمُوعِ العَشْرِ لِأنَّها كَلامٌ وشَيْءٌ واحِدٌ، وأيْضًا –عَشْرَ- لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ فَيُعْطى حُكْمَ المُفْرَدِ –كَنَخْلٍ- مُنْقَعِرٍ- وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ نَعْتٌ آخَرُ –لِسُوَرٍ- قِيلَ: أُخِّرَ عَنْ نَعْتِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى لِأنَّهُ النَّعْتُ المَقْصُودُ بِالتَّكْلِيفِ إذْ بِهِ قُعُودُهم عَلى العَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا نَعْتُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ ولِأنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ لَهُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِّي اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِي فَإنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ ومَبادِي ذَلِكَ فِيكم مِن مُمارَسَةِ الخُطَبِ والأشْعارِ ومُزاوَلَةِ أسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ وحِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ أتَمُّ. والكَثِيرُ عَلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ وقَعَ أوَّلًا فَلَمّا عَجَزُوا تَحَدّاهم ﴿بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ كَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ويُونُسَ، وهو وإنْ تَأخَّرَ تِلاوَةً مُتَقَدِّمٌ نُزُولًا، وإنَّهُ لا يَجُوزُ العَكْسُ إذْ لا مَعْنى لِلتَّحَدِّي بِعَشْرٍ لِمَن عَجَزَ عَنِ التَّحَدِّي بِواحِدَةٍ وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ تَعْجِيزَهم عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلاتٍ لِعَشْرٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ القُرْآنِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، وجَعَلَ العَشْرَ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّوَرِ إلى هُنا، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أكْثَرَ ما ذَكَرَ مَدَنِيٌّ، وهَذِهِ السُّورَةُ حَسْبَما عَلِمْتُ مَكِّيَّةٌ فَكَيْفَ تَصِحُّ الحَوالَةُ بِمَكَّةَ عَلى ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ هَذا التَّحَدِّيَ إنَّما وقَعَ بَعْدَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرَّدِ وأنْكَرَ تَقَدُّمَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى نُزُولِ تَيْنَكِ السُّورَتَيْنِ وقالَ: بَلْ نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ أوَّلًا، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ هُودٍ. (p-21)وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ما وقَعَ أوَّلًا هو التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ، والِاشْتِمالُ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ المَغِيباتِ والأحْكامِ وأخَواتِها، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ أمَرَهم بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ وإنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وضَعَّفَهُ في الكَشْفِ، وقالَ: إنَّهُ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، وهَبْ أنَّ السُّورَةَ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ إلّا أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلى التَّدْرِيجِ جازَ أنَّ تَتَأخَّرَ تِلْكَ الآيَةُ عَنْ هَذِهِ، ولا يُنافِي تَقَدُّمَ السُّورَةِ عَلى السُّورَةِ انْتَهى. وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ قَوْلَهُ لا يَطَّرِدُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ مُرادَ المُبَرَّدِ اشْتِمالُهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأنْواعِ السَّبْعَةِ ولا يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ عَنْها، وادِّعاءُ تَأخُّرِ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وادَّعى أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ المُبَرَّدُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ والمَعْنى، ثُمَّ تَنْزِلُ فَتَحَدّاهم بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ مِن غَيْرِ حَجْرٍ في المَعْنى، ويَشْهَدُ لَهُ تَوْصِيفُها بِمُفْتَرَياتٍ، وأيَّدَ بَعْضُهم نَظَرَ المُبَرَّدِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في آيَةِ البَقَرَةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الرَّيْبِ ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلّا العِلْمُ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى المُماثَلَةِ التّامَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ قَوْلِهِمُ: (افْتَراهُ) فَكَلَّفُوا نَحْوَ ما قالُوا، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ في سُورَةِ يُونُسَ كالأمْرِ هُنا مَسْبُوقٌ بِحِكايَةِ زَعْمِهِمْ الِافْتِراءَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ أنَّهم لَمْ يُكَلَّفُوا إلّا بِنَحْوِ ما كُلِّفُوا بِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ: ولا يُزِيلُ الرَّيْبَ إلَخْ .. مَنعًا ظاهِرًا، ولِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ هَهُنا كَلامٌ -زَعَمَ أنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ- وهو عَلى قِلَّةِ جَدْواهُ لا وجْهَ لِما أسَّسَهُ عَلَيْهِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ. هَذا ونَقَلَ الإمامُ أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إعْجازَ القُرْآنِ بِفَصاحَتِهِ لا بِاشْتِمالِهِ عَلى المَغِيباتِ وكَثْرَةِ العُلُومِ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مَعْنًى، أمّا إذا كانَ وجْهُ الإعْجازِ الفَصاحَةَ صَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَظْهَرُ إنْ صِدْقًا وإنْ كَذِبًا، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ الفاضِلُ الجَلْبِيُّ بِما هو مَبْنِيٌّ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ مَعْنى الِافْتِراءِ والِاخْتِلاقِ، نَعَمْ ما ذُكِرَ إنَّما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ ذَلِكَ ولا يَمْنَعُ احْتِمالُ كَوْنِهِ الأُسْلُوبَ الغَرِيبَ وعَدَمُ اشْتِمالِهِ عَلى التَّناقُضِ كَما قِيلَ بِهِ. ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيِ اسْتَعِينُوا بِمَن أمْكَنَكم أنْ تَسْتَعِينُوا بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمَدَّةٌ لَكم في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، والكَهَنَةُ الَّذِينَ تَلْجَأُونَ إلى آرائِهِمُ المُلِمّاتِ لِيُسْعِدُوكم في ذَلِكَ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِادْعُوا- أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى، وفِيهِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَكم عَلَيْهِ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب