الباحث القرآني

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ في شَكٍّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قُصَّ مِنَ القِصَصِ وبُيِّنَ في تَضاعِيفِها مِنَ العَواقِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أيْ فَلا تَكُ في شَكٍّ بَعْدَ أنْ بُيِّنَ لَكَ ما بُيِّنَ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في أنَّها ضَلالٌ مُؤَدٍّ إلى مِثْلِ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ سُوءَ عاقِبَةِ عِبادَتِهِمْ، -فَمِنِ- ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى فِي، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ مِن حالِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إذْ لا مَعْنى لِلْمِرْيَةِ في أنْفُسِهِمْ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ تَعْلِيلًا في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، والِاسْتِثْناءُ إمّا مِن مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم وآباؤُهم سَواءٌ في الشِّرْكِ ما يَعْبُدُونَ عِبادَةً إلّا كَعِبادَةِ آبائِهِمْ، أوْ ما يَعْبُدُونَ شَيْئًا إلّا مِثْلَ الَّذِي عَبَدُوهُ مِنَ الأوْثانِ، وقَدْ بَلَغَكَ ما لَحِقَ آباءَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ فَيَلْحَقُهم مِثْلُهُ لِأنَّ التَّماثُلَ في الأسْبابِ يَقْتَضِي التَّماثُلَ في المُسَبِّباتِ، ومَعْنى ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ كَما كانَ عَبَدَ (p-148)فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ( قَبْلُ) عَلَيْهِ، وكَأنَّ اخْتِيارَ هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً لَهم ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا آباءَهم حُظُوظَهم أوْ مِنَ الرِّزْقِ فَيَكُونُ عُذْرًا لِتَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم مَعَ قِيامِ ما يُوجِبُهُ، وفي هَذا مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ما لا يَخْفى حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ رِزْقَهم مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ، وفي التَّعْبِيرِ -بِالنَّصِيبِ- عَلى الأوَّلِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ ما يُطْلَبُ ويُرادُ والعَذابُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، و-بِالرِّزْقِ- عَنْ أبِي العالِيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ ما قُدِّرَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمُوفُوهُمْ) مُخَفَّفًا مِن أوْفى ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ النَّصِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الحَقُّ. وفِي الكَشّافِ أنَّهُ جِيءَ بِهَذِهِ الحالِ عَنِ النَّصِيبِ المُوَفّى لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ ويُوَفّى وهو كامِلٌ، ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذِهِ مَغْلَطَةٌ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ فالتَّوْفِيَةُ إنَّما وقَعَتْ في الشَّطْرِ وكَذا ثُلْثُ حَقِّهِ، والمَعْنى أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ كامِلًا، فالحالُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا قَوْلُكَ وفَّيْتُهُ حَقَّهُ ناقِصًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْمُنافاةِ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ نُقْصانِ المُوَفّى كامِلًا كانَ أوْ بَعْضًا، فَقَوْلُكَ: وفَّيْتُهُ نِصْفَ حَقِّهِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ نُقْصانِ النِّصْفِ المُوَفّى، فالسُّؤالُ عَنْ وجْهِ انْتِصابِ هَذِهِ الحالِ قائِمٌ بَعْدُ، والأوْجَهُ أنْ يُقالَ: اُسْتُعْمِلَتِ التَّوْفِيَةُ بِمَعْنى الإعْطاءِ كَما اسْتُعْمِلَ التَّوَفِّي بِمَعْنى الأخْذِ، ومَن قالَ: أعْطَيْتُ فُلانًا حَقَّهُ كانَ جَدِيرًا أنْ يُؤَكِّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ)،﴾ انْتَهى. وفي الكَشْفِ أقُولُ في تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِالنِّصْفِ مَعَ أنَّ الكُلَّ حَقُّهُ ما يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبِهِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ: نِصْفَ حَقِّهِ وحَقَّهُ مُنَصَّفًا، فَجازَ وفَّيْتُهُ نَصِيبَهُ مُنَصَّفًا ونَصِيبَهُ ناقِصًا، ويَحْسُنُ فائِدَةُ التَّأْكِيدِ ويُظْهِرُ أنَّ الواهِمَ مَن هو فَتَأمَّلْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب