الباحث القرآني

﴿آلآنَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أيِ آلْآنَ تُؤْمِنُ حِينَ يَئِسْتَ مِنَ الحَياةِ وأيْقَنْتَ بِالمَماتِ وقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِيَتَوَجَّهَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ إلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى حَدٍّ يَمْتَنِعُ قَبُولُهُ فِيهِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ﴾ وهَذا إلى ﴿آيَةً﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الغَضَبِ عَلى المَخْذُولِ ومُقابَلَةُ ما أظْهَرَهُ بِالرَّدِّ الشَّنِيعِ وتَقْرِيعِهِ بِالعِصْيانِ والإفْسادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وفي حَذْفِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وإبْرازِ الخَبَرِ المَحْكِيِّ في صُورَةِ الإنْشاءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ وشِدَّةِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى والقائِلُ لَهُ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّهُ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أبْغَضْتُ شَيْئًا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ما أبْغَضْتُ إبْلِيسَ يَوْمَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى أنْ يَسْجُدَ وما أبْغَضْتُ شَيْئًا أشَدَّ بُغْضًا مِن فِرْعَوْنَ فَلَمّا كانَ يَوْمُ الغَرَقِ خِفْتُ أنْ يَعْتَصِمَ بِكَلِمَةِ الإخْلاصِ فَيَنْجُوَ فَأخَذْتُ قَبْضَةً مِن حَمَأةٍ فَضَرَبْتُ بِها في فِيهِ فَوَجَدْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ أشَدَّ غَضَبًا مِنِّي فَأمَرَ مِيكائِيلَ فَأتاهُ فَقالَ آلْآنَ» . إلْخَ وما تَضَمَّنَهُ هَذا الخَبَرُ مِن فِعْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ: لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخِذٌ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في في فِرْعَوْنَ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» . واسْتَشْكَلَ هَذا التَّعْلِيلُ وفِي الكَشّافِ أنَّ ذَلِكَ مِن زِياداتِ الباهِتِينَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: وفِيهِ جَهالَتانِ: إحْداهُما أنَّ الإيمانَ يَصِحُّ بِالقَلْبِ كَإيمانِ الأخْرَسِ فَحالُ البَحْرِ لا يَمْنَعُهُ، والأُخْرى أنَّ مَن كَرِهَ إيمانَ الكافِرِ وأحَبَّ بَقاءَهُ عَلى الكُفْرِ فَهو كافِرٌ لِأنَّ الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ وارْتَضاهُ ابْنُ المُنِيرِ قائِلًا: لَقَدْ أنْكَرَ مُنْكَرًا وغَضِبَ لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما يَجِبُ لَهم والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الثِّقاتِ كالتِّرْمِذِيَ المُقَدَّمِ عَلى المُحْدَثِينَ بَعْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ وقَدْ خاضُوا في بَيانِ المُرادِ مِنهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ إشْكالٌ فَفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أيِ النَّجاةُ الَّتِي هي طِلْبَةُ المَخْذُولِ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها صِحَّةُ الإيمانِ كَما في إيمانِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَلْزَمَ مِن كَراهَتِهِ ما لا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّضا بِالكُفْرِ إذْ لا اسْتِحالَةَ في تَرَتُّبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ وإنْ كانَ ذَلِكَ في حالَةِ البَأْسِ واليَأْسِ فَيُحْمَلُ دَسُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ لِكَمالِ الغَيْظِ وشِدَّةِ الحَرْدِ انْتَهى. (p-183)ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الرَّحْمَةِ عَلى الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَعِيدٌ ويَكادُ بِأبى عَنْهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ رَأيْتَنِي يا مُحَمَّدُ وأنا أغُطُّ فِرْعَوْنَ بِإحْدى يَدَيَّ وأدُسُّ مِنَ الحالِ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى فِيُغْفَرَ لَهُ» . فَإنَّهُ رَتَّبَ فِيهِ المَغْفِرَةَ عَلى إدْراكِ الرَّحْمَةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِها الرَّحْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِأنَّ المَغْفِرَةَ لا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها وإنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها النَّجاةُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما فَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَ غَضَبًا عَلَيْهِ لِما صَدَرَ مِنهُ وخَوْفًا أنَّهُ إذا كَرَّرَ ذَلِكَ رُبَّما قُبِلَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ لِسِعَةِ بَحْرِ الرَّحْمَةِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ وأمّا الرِّضا بِالكُفْرِ فالحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ مُطْلَقًا بَلْ إذا اسْتَحْسَنَ وإنَّما الكُفْرُ رِضاهُ بِكُفْرِ نَفْسِهِ كَما في التَّأْوِيلاتِ لِعِلْمِ الهُدى انْتَهى وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الرِّضا بِكُفْرِ نَفْسِهِ إنَّما يَكُونُ وهو كافِرٌ فَلا مَعْنى لِعَدِّهِ كُفْرًا والكُفْرُ حاصِلٌ قَبْلَهُ وهو عَلى ما لَهُ وما عَلَيْهِ بَحْثٌ آخَرُ لا يَضُرُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ والطِّيبِيُّ بَعْدَ أنْ أجابَ بِما أجابَ أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَقْلِ مَجالٌ في مِثْلِ هَذا النَّقْلِ الصَّحِيحِ إلّا التَّسْلِيمُ ونِسْبَةُ القُصُورِ إلى النَّفْسِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ الخَبَرَ مَتى خالَفَ صَرِيحَ العَقْلِ أوْ تَضَمَّنَ نِسْبَةَ ما لا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا في حَقِّ شَخْصٍ إلَيْهِ ولَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ عَلى وجْهٍ يُوافِقُ حُكْمَ العَقْلِ ويَنْدَفِعُ بِهِ نِسْبَةُ النَّقْصِ لا يَكُونُ صَحِيحًا واتِّهامُ الرّاوِي بِما يُوهِنُ أمْرَ رِوايَتِهِ أهْوَنُ مِنِ اتِّهامِ العَقْلِ الصَّرِيحِ ونِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ دُونَ نِسْبَةِ النَّقْصِ إلى مَن شَهِدَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِعِصْمَتِهِ وكَمالِهِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ العامِلِ في الظَّرْفِ جِيءَ بِهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى هَذا الآنِ بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ لِما عَسى يُعَدُّ عُذْرًا بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الرَّدِّ والِاسْتِعْصاءِ والإفْسادِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ 91﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿عَصَيْتَ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الحالِ والتَّحْقِيقِ أيْ وقَدْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ الغالِينَ في الضَّلالِ والإضْلالِ عَنِ الإيمانِ فَهَذا عِبارَةٌ عَنْ فَسادِهِ الرّاجِعِ إلى نَفْسِهِ والسّارِي إلى غَيْرِهِ مِنَ الظُّلْمِ والتَّعَدِّي وصَدِّ بَنِي إسْرائِيلَ عَنِ السَّبِيلِ والأوَّلُ عَنْ عِصْيانِهِ الخاصِّ بِهِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب