الباحث القرآني
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مِن جاوَزَ المَكانَ إذا قَطَعَهُ وتَخَطّاهُ وهو مُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ فاعِلًا في الأصْلِ بِالباءِ وإلى الثّانِي بِنَفْسِهِ والمَعْنى (p-181)جَعَلْناهم مُجاوِزِينَ البَحْرَ بِأنْ جَعَلْناهُ يَبَسًا وحَفِظْناهم حَتّى بَلَّغُوا الشَّطَّ وقَرَأ الحَسَنُ و(جَوَّزْنا) بِالتَّضْعِيفِ وفَعَلَ بِمَعْنى فاعِلٍ فَهو مَن التَّجْوِيزِ المُرادِفِ لِلْمُجاوَزَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ ولَيْسَ بِمَعْنى نَفَذَ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْدِيَةِ بِالباءِ ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِفي كَما في قَوْلِهِ:
؎ولا بُدَّ مِن جارٍ يُجِيزُ سَبِيلَها كَما جَوَّزَ السَّكْيَ في البابِ فَيَتَّقِ
فَكانَ الواجِبُ هُنا مِن حَيْثُ اللُّغَةُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ أيْ نَفَذْناهم وأدْخَلْناهم فِيهِ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى انْفِصالِهِمْ عَنِ البَحْرِ وإلى مُقارَنَةِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ لَهم عِنْدَ الجَوازِ كَما هو المَشْهُورُ في الفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا قَفا أثَرَهُ إمّا بِالجِسْمِ أوْ بِالِارْتِسامِ والِائْتِمارِ وظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَيْنِ بِمَعْنًى
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُقالُ تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ إذا كانَ سَبَقَكَ فَلَحِقْتَهُ فالمَعْنى هُنا أدْرَكَهم ولَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ حَتّى تَراءَتِ الفِئَتانِ وكادَ يَجْتَمِعُ الجَمْعانِ ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ أيْ ظُلْمًا واعْتِداءً وهُما مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ باغِينَ وعادِينَ أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ أيْ لِلْبَغْيِ والعُدْوانِ
وقَرَأ الحَسَنُ و(عُدُوًّا) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِإجابَةِ دَعَوْتِهِما أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ لَيْلًا وكانُوا كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ فَخَرَجَ بِهِمْ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنِ ومَلَئِهِ فَلَما أحَسَّ بِذَلِكَ خَرَجَ هو وجُنُودُهُ عَلى أثَرِهِمْ مُسْرِعِينَ فالتَفَتَ القَوْمُ فَإذا الطّامَّةُ الكُبْرى وراءَهم فَقالُوا: يا مُوسى هَذا فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وراءَنا وهَذا البَحْرُ أمامَنا فَكَيْفَ الخَلاصُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وصارَ لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ فَسَلَكُوا ووَصَلَ فِرْعَوْنُ ومِن مَعَهُ إلى السّاحِلِ وهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ومَسْلَكُهم باقٍ عَلى حالِهِ بِمَن مَعَهُ أجْمَعِينَ فَلَمّا دَخَلَ آخِرُهم وهَمَّ أوَّلُهم بِالخُرُوجِ غَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ لَحِقَهُ والمُرادُ بِلُحُوقِهِ إيّاهُ وُقُوعُهُ فِيهِ وتَلَبُّسُهُ بِأوائِلِهِ وقِيلَ: مَعْنى أدْرَكَهُ قارَبَ إدْراكَهُ كَجاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللُّحُوقِ تَمْنَعُهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَصَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قالَ آمَنتُ﴾ إلَخْ ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى الإدْراكَ عَلى ظاهِرِهِ وحَمَلَ القَوْلَ عَلى النَّفْسِيِّ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ قِيامَ الِاحْتِمالِ يُبْطِلُ صِحَّةَ الِاسْتِدْلالِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِإيمانٍ سابِقٍ كَما قِيلَ بَلْ إنْشاءُ إيمانٍ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ بِأنَّهُ وقُدِّرَ الجارُّ لِأنَّ الإيمانَ وكَذا الكُفْرُ مُتَعَدٍّ بِالباءِ ومَحَلُّ مَدْخُولِهِ بَعْدَ حَذْفِهِ الجَرُّ أوِ النُّصْبُ فِيهِ خِلافٌ شَهِيرٌ وجَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَلا تَقْدِيرَ لِأنَّهُ في أصْلِ وضْعِهِ كَذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِلِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ فِيهِ: وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ وقالَ إنَّهُ أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِبَيانِ إيمانِهِ أوْ الإبْدالِ مِن جُمْلَةِ آمَنتُ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ يَجُوزُ إبْدالُها مِنَ الفِعْلِيَّةِ والِاسْتِئْنافُ عَلى البَدَلِيَّةِ بِاعْتِبارِ المَحْكِيِّ لا الحِكايَةِ لِأنَّ الكَلامَ في الأوَّلِ والجُمْلَةُ الأُولى في كَلامِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ والمُبْدَلُ مِنَ المُسْتَأْنَفِ مُسْتَأْنَفٌ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وعَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ وجَعَلَ صِلَتَهُ إيمانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ تَعالى ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ السَّحَرَةُ: (p-182)﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِلْإشْعارِ بِرُجُوعِهِ عَنِ الِاسْتِعْصاءِ واتِّباعِهِ لِمَن كانَ يَسْتَتْبِعُهم طَمَعًا في القَبُولِ والِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكِ النَّجاةِ ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ 90﴾ أيِ الَّذِينَ أسْلَمُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ تَعالى أيْ جَعَلُوها خالِصَةً سالِمَةً لَهُ سُبْحانَهُ وأرادَ بِهِمْ إمّا بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً وإما الجِنْسَ وهم إذْ ذاكَ داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (آمَنَتْ) وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِادِّعاءِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ
وقِيلَ: إنَّها عَلى الأوَّلِ مَعْطُوفَةٌ وعَلى الثّانِي تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ أيْ آمَنتُ مُخْلِصًا لِلَّهِ تَعالى مُنْتَظِمًا في سِلْكِ الرّاسِخِينَ في ذَلِكَ ولَقَدْ كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ بِثَلاثِ عِباراتٍ وبالَغَ ما بالَغَ حِرْصًا عَلى القَبُولِ المُقْتَضِي لِلنَّجاةِ ولَيْتَ بَعْضَ ذَلِكَ قَدْ كانَ حِينَ يَنْفَعُهُ الإيمانُ وذَلِكَ قَبْلَ اليَأْسِ فَإنَّ إيمانَ اليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ كَما عَلَيْهِ الأئِمَّةُ الفُحُولُ
{"ayah":"۞ وَجَـٰوَزۡنَا بِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡیࣰا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِیۤ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوۤا۟ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











