الباحث القرآني

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ هو خِطابٌ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا بِمِثْلِ ما دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً لَكِنِ اكْتَفى بِنَقْلِ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرَّسُولَ بِالِاسْتِقْلالِ عَنْ نَقْلِ دُعائِهِ وأُشْرِكَ بِالبِشارَةِ إظْهارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَدْعُ حَقِيقَةً لَكِنْ أُضِيفَتْ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى في حُكْمِ دَعْوَتِهِ لِمَكانِ كَوْنِهِ تابِعًا ووَزِيرًا لَهُ، والَّذِي تَضافَرَتْ بِهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ أخِيهِ والتَّأْمِينُ دُعاءٌ، فَإنَّ مَعْنى آمِينَ اسْتَجِبْ ولَيْسَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كَما يَرْوُونَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِيلَ: ولِكَوْنِهِ دُعاءً اسْتَحَبَّ الحَنَفِيَّةُ الإسْرارَ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَدارَ اسْتِحْبابِ الإسْرارِ والجَهْرِ لَيْسَ كَوْنَهُ دُعاءً فَإنَّ الشّافِعِيَّةَ اسَتَحَبُّوا الجَهْرَ بِهِ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْهم أنَّهم قائِلُونَ أيْضًا بِكَوْنِهِ دُعاءً وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ إضافَةَ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ تُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ الإشْعارِ مِنَ الخَفاءِ وقُرِئَ (دَعَواتُكُما) بِالجَمْعِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ ﴿فاسْتَقِيما﴾ فامْضِيا لِأمْرِي وأثْبِتا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُماهُ كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الدَّعْوَةَ أُجِيبَتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَذْكُرِ الزَّعْمَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 89﴾ بِعاداتِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ أوْ سَبِيلِ الجَهَلَةِ في عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والنَّهْيُ لا يَقْتَضِي صِحَّةَ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ كَثُرَ نَهْيُ الشَّخْصِ عَمّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ ولَعَلَّ الغَرَضَ مِنهُ هُنا مُجَرَّدُ تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعْدِ وإفادَةُ أنَّ في تَأْخِيرِ إنْجازِهِ (p-175)حِكَمًا إلَهِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ (ولا تَتَّبِعانِ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ المَكْسُورَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ الحاجِبِ بِأنَّ (لا) نافِيَةٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في - اسْتَقِيما - كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعِينَ، والجُمْلَةُ المُضارِعِيَّةُ المَنفِيَّةُ - بِلا - الواقِعَةِ حالًا يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمُهُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ وُجُوبَ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأً، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها وهي وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إلّا أنَّها طَلَبِيَّةٌ مَعْنًى لِأنَّ المُرادَ مِنها النَّهْيُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ (ولا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ) والنَّهْيُ المُخْرَجُ بِصُورَةِ الخَبَرِ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ المُخْرَجِ بِصُورَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِأنَّهُما لا يَتَّبِعانِ سَبِيلَ الجاهِلِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ (لا) في قِراءَةِ العامَّةِ نافِيَةً أيْضًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ النَّفْيَ لا يُؤَكِّدُ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: (لا) ناهِيَةٌ والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو تَخْرِيجٌ لَيِّنٌ فَإنَّ الكِسائِيَّ وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزانِهِ لِأنَّهُما يَمْنَعانِ وُقُوعَ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ سَواءٌ كانَتْ ألِفَ التَّثْنِيَةِ أوِ الألِفَ الفاصِلَةَ بَيْنَ نُونِ الإناثِ ونُونِ التَّوْكِيدِ نَحْوَ: هَلْ تَضْرِبْنانِ يا نِسْوَةُ وأيْضًا النُّونُ الخَفِيفَةُ إذا لَقِيَها ساكِنٌ لَزِمَ حَذْفُها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا يَجُوزُ تَحْرِيكُها، ولَكِنَّ يُونُسَ والفَرّاءَ أجازا ذَلِكَ وفِيهِ عَنْهُما رِوايَتانِ إبْقاؤُها ساكِنَةً لِأنَّ الألِفَ لِخِفَّتِها بِمَنزِلَةِ الفَتْحَةِ وكَسْرِها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وعَلى هَذا يَتِمُّ ذاكَ التَّخْرِيجُ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ النُّونَ هي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةُ إلّا أنَّها خُفِّفَتْ وهو كَما تَرى، وعَنْهُ أيْضًا (ولا تَتْبَعانِّ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الثّانِيَةِ وسُكُونِها وبِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ مِن تَبِعَ الثُّلاثِيِّ، وأيْضًا ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ وهي كالأُولى إلّا أنَّ النُّونَ ساكِنَةٌ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ في تَسْكِينِ النُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ الألِفِ عَلى الأصْلِ واغْتِفارِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ ألِفًا كَما في مَحْيايَ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ اشْتُهِرَ في تَعْلِيلِ كَسْرِ النُّونِ في قِراءَةِ العامَّةِ بِأنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وظاهِرُهُ أنَّهُ بِذَلِكَ زالَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذِ السّاكِنانِ هُما الألِفُ والنُّونُ الأُولى ولا شَيْءَ مِنهُما بِمُتَحَرِّكٍ وإنَّما المُتَحَرِّكُ النُّونُ الثّانِيَةُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي النُّحاةِ: إنَّ أصْلَ التَّحْرِيكِ لِيَتَأتّى الإدْغامُ وكَوْنُهُ بِالكَسْرِ تَشْبِيهًا بِنُونِ التَّثْنِيَةِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ أعْنِي الألِفَ والنُّونَ الأُولى غَيْرُ مُضِرٍّ لِما قالُوا مِن جَوازِهِ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ كَما في - دابَّةٍ - لِارْتِفاعِ اللِّسانِ بِهِما مَعًا حِينَئِذٍ وقَدْ حُقِّقَ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ فَلْيُراجَعْ هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّهم يَسْتَمِعُونَ لَكِنَّ حُكْمَهم حُكْمُ الأصَمِّ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ وذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِأنْ كانَ ولَكِنْ حَجَبَ نُورُهُ رُسُوخَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَفَعَ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ كَوْنَهم في تِلْكَ الحالَةِ ظُلْمٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ مَثَلًا ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ طَلَبَ اسْتِعْدادَهُمُ الغَيْرَ المَجْعُولِ ذَلِكَ ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ لِذُهُولِهِمْ بِتَكاثُفِ ظُلُماتِ المَعاصِي عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بِحُكْمِ سابِقَةِ الصُّحْبَةِ وداعِيَةِ الهَوى اللّازِمَةِ لِلْجِنْسِيَّةِ الأصْلِيَّةِ، وهَذا التَّعارُفُ قَدْ يَبْقى إذا اتَّحَدُوا في الوُجْهَةِ واتَّفَقُوا في المَقْصِدِ وقَدْ لا يَبْقى وذَلِكَ إذا اخْتَلَفَتِ الأهْواءُ وتَبايَنَتِ الآراءُ فَحِينَئِذٍ تَتَفاوَتُ الهَيْئاتُ المُسْتَفادَةُ مِن لَواحِقِ النَّشْأةِ فَيَقَعُ التَّناكُرُ وعَوارِضُ العادَةِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (p-176)لِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ مِن جِنْسِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الِاسْتِفاضَةِ مِنهُ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْجاءِ مَنِ اهْتَدى بِهِ وإثابَتِهِ وإهْلاكِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ وتَعْذِيبِهِ لِظُهُورِ أسْبابِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَيُعامَلُوا بِخِلافِ ما يَسْتَحِقُّونَ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إنْكارٌ لِلْقِيامَةِ لِاحْتِجابِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الكَثافَةِ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ سَلْبٌ لِاسْتِقْلالِهِ في التَّأْثِيرِ وبَيانٌ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ إلّا ما أذِنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وهَذا نَوْعٌ مِن تَوْحِيدِ الأفْعالِ وفِيهِ إرْشادٌ لَهم بِأنَّهُ لا يَمْلِكُ اسْتِعْجالَ ما وعَدَهم بِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ تَزْكِيَةٌ لِنُفُوسِكم بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والزَّجْرِ عَنِ الذُّنُوبِ المُتَسَبِّبَةِ لِلْعِقابِ والتَّحْرِيضِ عَلى الطّاعَةِ المُوجِبَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِلثَّوابِ ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ أيْ دَواءٌ لِلْقُلُوبِ مِن أمْراضِها الَّتِي هي أشَدُّ مِن أمْراضِ الأبْدانِ كالشَّكِّ والنِّفاقِ والحَسَدِ والحِقْدِ وأمْثالِ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِ الحَقائِقِ والحِكَمِ المُوجِبَةِ لِلْيَقِينِ والتَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ لِتَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ ﴿وهُدًى﴾ لِأرْواحِكم إلى الشُّهُودِ الذّاتِيِّ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ بِإفاضَةِ الكَمالاتِ اللّائِقَةِ بِكُلِّ مَقامٍ مِنَ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِعْدادِ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمَوْعِظَةِ ومَقامِ القَلْبِ بِالتَّصْفِيَةِ ومَقامِ الرُّوحِ بِالهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّصْدِيقِ أوَّلًا ثُمَّ بِاليَقِينِ ثانِيًا ثُمَّ بِالعِيانِ ثالِثًا وذَكَرَ بَعْضُهُمُ المَوْعِظَةَ لِلْمُرِيدِينَ والشِّفاءَ لِلْمُحِبِّينَ والهُدى لِلْعارِفِينَ والرَّحْمَةَ لِلْمُسْتَأْنِسِينَ والكُلُّ مُؤْمِنُونَ إلّا أنَّ مَراتِبَ الإيمانِ مُتَفاوِتَةٌ والخِطابُ في الآيَةِ لَهم وفِيها إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَدَأ بِالمَوْعِظَةِ لِمَرِيضِ حُبِّهِ لِأنَّها مَعْجُونٌ لِإسْهالِ شَهَواتِهِ فَإذا تَطَهَّرَ عَنْ ذَلِكَ يَسْقِيهِ شَرابَ ألْطافِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِفاءً لَهُ مِمّا بِهِ فَإذا شُفِيَ يُغَذِّيهِ بِهِدايَتِهِ إلى نَفْسِهِ فَإذا كَمُلَ بِصُحْبَتِهِ يُطَهِّرُهُ بِمِياهِ رَحْمَتِهِ مِن وسَخِ المَرَضِ ودَرَنِ الِامْتِحانِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ بِتَوْفِيقِهِ لِلْقَبُولِ في المَقاماتِ ﴿وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِالمَواهِبِ الخُلُقِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ والكَشْفِيَّةِ فِيها ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لا بِالأُمُورِ الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المِقْدارِ الدَّنِيَّةِ القَدْرِ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِنَ الخَسائِسِ والمُحَقَّراتِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفَضْلَ بِانْكِشافِ صَباحِ الأزَلِ لِعُيُونِ أرْواحِ المُرِيدِينَ وزِيادَةِ وُضُوحِهِ في لَحْظَةٍ حَتّى تَطْلُعَ شُمُوسُ الصِّفاتِ وأقْمارُ الذّاتِ فَيَطِيرُونَ في أنْوارِ ذَلِكَ بِأجْنِحَةِ الجَذَباتِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى والرَّحْمَةِ بِتَتابُعِ مَواجِيدِ الغُيُوبِ لِلْقُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفْرِيدِ بِلا انْقِطاعٍ، ومِن هُنا قالَ ضِرْغامٌ أجَمَةُ التَّصَوُّفِ أبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: وقْتِي سَرْمَدٌ وبَحْرِي بِلا شاطِئٍ وقِيلَ: فَضْلُهُ الوِصالُ ورَحْمَتُهُ الوِقايَةُ عَنِ الِانْفِصالِ، وقِيلَ: فَضْلُهُ إلْقاءُ نِيرانِ المَحَبَّةِ في قُلُوبِ المُرِيدِينَ ورَحْمَتُهُ جَذْبُهُ أرْواحَ المُشْتاقِينَ، وقِيلَ: فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلى العارِفِينَ كَشْفُ الذّاتِ وعَلى المُحِبِّينَ كَشْفُ الصِّفاتِ وعَلى المُرِيدِينَ كَشْفُ أنْوارِ الآياتِ ورَحْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العارِفِينَ العِنايَةُ وعَلى المُحِبِّينَ الكِفايَةُ وعَلى المُرِيدِينَ الرِّعايَةُ وقالَ الجُنَيْدُ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى في الِابْتِداءِ ورَحْمَتُهُ في الِانْتِهاءِ وهو مُناسِبٌ لِما قُلْنا وقالَ الكَتّانِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ تَعالى النِّعَمُ الظّاهِرَةُ ورَحْمَتُهُ النِّعَمُ الباطِنَةُ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن رِزْقٍ مَعْنَوِيٍّ كالمَعارِفِ الحَقّانِيَّةِ وكالآدابِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا﴾ كالقِسْمِ الأوَّلِ حَيْثُ أنْكَرْتُمُوهُ عَلى أهْلِهِ ورَمَيْتُمُوهُ بِالزَّنْدَقَةِ ﴿وحَلالا﴾ كالقِسْمِ الثّانِي حَيْثُ قَبِلْتُمُوهُ ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في الحُكْمِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أوْعَدَ المُفْتَرِينَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ إلَخْ فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المُنْكِرِينَ عَلى مَن تَحَلّى بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ ولَعَلَّ مَنشَأً ذَلِكَ زَعْمُهُمُ انْحِصارَ العِلْمِ (p-177)فِيما عِنْدَهم ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ وراءَ عُلُومِهِمْ عُلُومًا لا تُحْصى يَمُنُّ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ فَما أوْلاهم بِأنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ مُجْتَهِدُوهم رَدُّوهُ وقالُوا: زَيْغٌ وضَلالٌ واعْتَمَدُوا في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ تِلْكَ المُخالَفَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ الحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِيما جاءَ بِهِ أحَدُ أُولَئِكَ المُجْتَهِدِينَ مَعَ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَزَلْ قائِمًا بَيْنَهم عَلى ساقٍ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لَهُمْ: ما يُدْرِيكم أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي سَمِعْتُمْ مِنهُ ما سَمِعْتُمْ وأنْكَرْتُمُوهُ أنَّهُ مُجْتَهِدٌ أيْضًا كَسائِرِ مُجْتَهِدِيكُمْ؟ فَإنْ قالُوا: إنَّ لِلْمُجْتَهِدِ شُرُوطًا مَعْلُومَةً وهي غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ. قُلْنا: هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي وُضِعَتْ لِلْمُجْتَهِدِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى هَلْ هي مَنقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَرِيحًا أوْ صَنَعْتُمُوها أنْتُمْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم أوْ صَنَعَها المُجْتَهِدُ؟ فَإنْ كانَتْ مَنقُولَةً عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأْتُوا بِها واتْلُوها وصَحِّحُوا نَقْلَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهَيْهاتَ ذاكَ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها أنْتُمْ وأنْتُمْ أجْهَلُ مِن ابْنِ يَوْمٍ فَهي رَدٌّ عَلَيْكم ولا حُبًّا ولا كَرامَةً عَلى أنَّ في اعْتِبارِها أخْذًا بِكَلامِ مَن لَيْسَ مُجْتَهِدًا وأنْتُمْ لا تُجَوِّزُونَهُ وإنْ كانَ الواضِعُ لَها المُجْتَهِدَ فَإثْباتُ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا مُتَوَقِّفٌ عَلى اعْتِبارِ تِلْكَ الشُّرُوطِ واعْتِبارُ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُتَوَقِّفٌ عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا وهَلْ هَذا إلّا دَوْرٌ وهو مُحالٌ لَوْ تَعْقِلُونَهُ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّرُوطُ شُرُوطًا لِلْمُجْتَهِدِ النَّقْلِيِّ وهُناكَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ شَرْطُهُ تَصْفِيَةُ النَّفْسِ وتَزْكِيَتُها وتَخَلُّقُها بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ وتَهَيُّؤُها واسْتِعْدادُها لِقَبُولِ العِلْمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟ وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ فِيمَن صَفَتْ نَفْسُهُ وتَهَيَّأتْ بِالفَقْرِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى وصَدَقَ عَزْمُهُ في الأخْذِ ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ كَما يَخْلُقُهُ فِيمَنِ اسْتَوْفى شُرُوطَ الِاجْتِهادِ عِنْدَكم فاجْتَهَدَ وصَرَفَ فِكْرَهُ ونَظَرَهُ؟ والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ العِلْمَ في هَذا دُونَ ذاكَ حَجْرٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ كَما لا يَخْفى فَلا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ العارِفِ بِأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إلّا أنْ يُسَلِّمَ لِمَن ظَهَرَتْ فِيهِ آثارُ التَّصْفِيَةِ والتَّهَيُّؤِ وسَطَعَتْ عَلَيْهِ أنْوارُ التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ الرَّبّانِيِّ ما أتى بِهِ ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُجْتَهِدٌ ما لَمْ يُخالِفْ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ بِمِثْلِ ما ذُكِرَ لَكِنْ ذَكَرَ مَوْلانا الإمامُ الرَّبّانِيُّ ومُجَدِّدُ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ في بَعْضِ مَكْتُوباتِهِ الفارِسِيَّةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أهْلِ الكَشْفِ في كَشْفِهِمْ لِأنَّ الكَشْفَ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلى الغَيْرِ ومُلْزِمًا لَهُ وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ في هَذا أكْثَرُ مِن مَنعِ تَقْلِيدِ أهْلِ الكَشْفِ ومَحَلِّ النِّزاعِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ ورَمْيُهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى بِالزَّنْدَقَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أدْنى رائِحَةٍ مِنهُ كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ بِصِنْفَيِ العِلْمَيْنِ وإفاضَتِهِما بَعْدَ تَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِهِما ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ذَلِكَ ولا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ فِيُمْنَعُونَ عَنِ الزِّيادَةِ ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِعَظِيمِ اطِّلاعِهِ سُبْحانَهُ عَلى الخَواطِرِ وما يَجْرِي في الضَّمائِرِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خاطِرٌ ولا ضَمِيرٌ. ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ جَلَّ وعَلا عَنْ سُلْطانِ إحاطَتِهِ عَلى كُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى بِقَوْلِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِما في العالَمِ السُّفْلِيِّ والعُلْوِيِّ فَكُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ داخِلَةٌ في حَيْطَةِ عِلْمِهِ كَيْفَ لا وكُلُّها قائِمَةٌ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْظُرُ إلى كُلٍّ في كُلِّ آنٍ (p-178)نَظَرَ الحِفْظِ والرِّعايَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكَتِ الذَّرّاتُ واضْمَحَلَّتْ سائِرُ المَوْجُوداتِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَخافُ بِسَبَبِها مِن حِرْمانٍ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِامْتِناعِ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الكَمالاتِ واللَّذّاتِ مِنهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بَقاياهم وظُهُورَ تَلَوُّناتِهِمْ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِوُجُودِ الِاسْتِقامَةِ والأخْلاقِ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ النُّفُوسِ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ بِظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ والحَقائِقِ عَلَيْهِمُ المُبَشِّرَةِ بِجَنَّةِ القُلُوبِ والظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ بَيانٌ لِلْأوْلِياءِ فالوَلِيُّ هو المُؤْمِنُ المُتَّقِي عَلى الكَمالِ ولَهم في تَعْرِيفِهِ عِباراتٌ شَتّى تَقَدَّمَ بَعْضُها وفِي الفُتُوحاتِ: هو الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ في مَقامِ مُجاهَدَتِهِ الأعْداءَ الأرْبَعَةَ الهَوى والنَّفْسَ والشَّيْطانَ والدُّنْيا وفِيها تَقْسِيمُ الأوْلِياءِ إلى عِدَّةِ أقْسامٍ مِنها الأقْطابُ والأوْتادُ والأبْدالُ والنُّقَباءُ والنُّخَباءُ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وأنَسٍ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي الدَّرْداءِ وأُمِّ سَلَمَةَ ومِن مُرْسَلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وبَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ ومِنَ الآثارِ عَنِ التّابِعَيْنِ ومَن بَعْدَهم ما لا يُحْصى وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَهُ وشَيَّدَ أرْكانَهُ وأنْكَرَهُ كَما قَدَّمْنا بَعْضُهم والحَقُّ مَعَ المُثْبِتِينَ وأنا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى مِنهم وإنْ كُنْتُ لَمْ أُشَيِّدْ قَبْلُ أرْكانَ ذَلِكَ والأئِمَّةُ والحَوارِيُّونَ والرَّجَبِيُّونَ والخَتْمُ والمَلامِيَّةُ والفُقَراءُ وسَقِيطُ الرَّفْرَفِ ابْنُ ساقِطِ العَرْشِ والأُمَناءُ والمُحْدَثُونَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنهُمُ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والبَيانُ الَّذِي في الآيَةِ صادِقٌ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ونُسِبَ إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - القَوْلُ بِتَفْضِيلِ الوَلِيِّ عَلى النَّبِيِّ والرَّسُولِ وخاضَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُنْكِرِينَ حَتّى كَفَّرُوهُ وحاشاهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وقَدْ صَرَّحَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن فُتُوحاتِهِ وكَذا مِن سائِرِ تَأْلِيفاتِهِ بِما يُنافِي هَذا القَوْلَ حَسْبَما فَهِمَهُ المُنْكِرُونَ وقَدْ ذَكَرَ في كِتابِ القِرْبَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَ لَفْظَةً مِن عارِفٍ مُتَحَقِّقٍ مُبْهَمَةً كَأنْ يَقُولُ: الوَلايَةُ هي النُّبُوَّةُ الكُبْرى أوْ الوَلِيُّ العارِفُ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الرَّسُولِ أنْ يَتَحَقَّقَ المُرادَ مِنها ولا يُبادِرَ بِالطَّعْنِ ثُمَّ ذَكَرَ في بَيانِ ما ذَكَرَ ما نَصُّهُ: أعْلَمُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ لِلشَّخْصِ مِن حَيْثُ ما هو إنْسانٌ فَلا فَضْلَ ولا شَرَفَ في الجِنْسِ بِالحُكْمِ الذّاتِيِّ وإنَّما يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالمَراتِبِ فالأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ ما فَضَلُوا الخَلْقَ إلّا بِها، فالنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ مَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ والرِّسالَةِ ومَرْتَبَةُ الوَلايَةِ والمَعْرِفَةِ دائِمَةُ الوُجُودِ ومَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ مُنْقَطِعَةٌ فَإنَّها تَنْقَطِعُ بِالتَّبْلِيغِ والفَضْلُ لِلدّائِمِ الباقِي، والوَلِيُّ العارِفُ مُقِيمٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ والرَّسُولُ خارِجٌ وحالَةُ الإقامَةِ أعْلى مِن حالَةِ الخُرُوجِ، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ ولِيًّا وعارِفًا أعْلى وأشْرَفُ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ رَسُولًا وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ واخْتَلَفَتْ مَراتِبُهُ لا أنَّ الوَلِيَّ مِنّا أرْفَعُ مِنَ الرَّسُولِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الخِذْلانِ، فَعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ تِلْكَ الكَلِمَةَ أصْحابُ الكَشْفِ والوُجُودِ إذْ لا اعْتِبارَ عِنْدَنا إلّا لِلْمَقاماتِ ولا نَتَكَلَّمُ إلّا فِيها لا في الأشْخاصِ، فَإنَّ الكَلامَ في الأشْخاصِ قَدْ يَكُونُ بَعْضَ الأوْقاتِ غِيبَةً، والكَلامُ عَلى المَقاماتِ والأحْوالِ مِن صِفاتِ الرِّجالِ، ولَنا في كُلِّ حَظٍّ شِرْبٌ مَعْلُومٌ ورِزْقٌ مَقْسُومٌ انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَقُولُ هو ولا غَيْرُهُ مِنَ الطّائِفَةِ بِأنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ حَسْبَما يُنْسَبُ إلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ، فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يُوهِمُ القَوْلَ بِذَلِكَ كَأخْبارِهِ في كِتابِهِ التَّجَلِّياتِ وغَيْرِهِ بِاجْتِماعِهِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإفادَتِهِ لَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ (p-179)عِنْدَهم. وكَقَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ تَقَدَّمَ: يا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ الألْقابَ وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ اعْتِقادَ أفْضَلِيَّةِ ولِيٍّ مِنَ الأوْلِياءِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ كُفْرٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ بِعِيدٌ ولَوْ ساغَ تَفْضِيلُ ولِيٍّ عَلى نَبِيٍّ لَفُضِّلَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ لِأنَّهُ أرْفَعُ الأوْلِياءِ قَدْرًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ ونَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ في كِتابِ القِرْبَةِ أيْضًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يُفَضَّلْ كَذَلِكَ بَلْ فُضِّلَ عَلى مَن عَداهم كَما نَطَقَ بِهِ: ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أفْضَلَ مِن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. فَمَتى لَمْ يُفَضَّلِ الصِّدِّيقُ وهو الَّذِي وقَرَ في صَدْرِهِ ما وقَرَ ونالَ مِنَ الكَمالِ ما لا يُحْصَرُ فَكَيْفَ يُفَضَّلُ غَيْرُهُ؟ وفَضَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وكَذا أوْلادَهُ الأئِمَّةَ الطّاهِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ مِن أُولِي العَزْمِ وغَيْرِهِمْ ولا مُسْتَنَدَ لَهم في ذَلِكَ إلّا أخْبارٌ كاذِبَةٌ وأفْكارٌ غَيْرُ صائِبَةٍ وبِالجُمْلَةِ مَتى رَأيْنا الشَّخْصَ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا حَكَمْنا عَلَيْهِ بِالوَلايَةِ نَظَرًا لِظاهِرِ الحالِ ووَجَبَ عَلَيْنا مُعامَلَتُهُ بِما هو أهْلُهُ مِنَ التَّوْقِيرِ والِاحْتِرامِ غَيْرَ غالِينَ فِيهِ بِتَفْضِيلِهِ عَلى رَسُولٍ أوْ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا عَلَيْهِ العَوامُّ اليَوْمَ في مُعامَلَةِ مَن يَعْتَقِدُونَهُ ولِيًّا الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِمُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ مَن يَعْتَقِدُونَهُ إلَهًا نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ صُدُورُ كَرامَةٍ عَلى يَدِهِ كَما يُشْتَرَطُ في الرَّسُولِ صُدُورُ مُعْجِزَةٍ، ويَكْفِيهِ الِاسْتِقامَةُ كَرامَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما اشْتُهِرَ عَنْ أبِي يَزِيدَ قُدِّسَ سِرُّهُ، بَلِ الوَلِيُّ الكامِلُ لا التِفاتَ لَهُ إلَيْها ولا يَوَدُّ صُدُورَها عَلى يَدِهِ إلّا إذا تَضَمَّنَتْ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً أوْ عامَّةً وفي الجَواهِرِ والدُّرِّ لِلشَّعْرانِيِّ سَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: إذا زَلَّ الوَلِيُّ ولَمْ يَرْجِعْ لِوَقْتِهِ عُوقِبَ بِالحِجابِ، وهو أنْ يُجِيبَ إلَيْهِ إظْهارَ خَرْقِ العَوائِدِ المُسَمّاةِ في لِسانِ العامَّةِ كَراماتٍ فَيَظْهَرُ بِها ويَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مُؤاخَذًا بِهَذِهِ الزَّلَّةِ لَقُبِضَ عَنِّي التَّصْرِيفُ وغابَ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ بَلْ ولَوْ سَلِمَ مِنَ الزَّلَّةِ فالواجِبُ خَوْفُهُ مِنَ المَكْرِ والِاسْتِدْراجِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: الكَرامَةُ حَيْضُ الرِّجالِ ومَنِ اغْتَرَّ بِالكَراماتِ بِالكَرى ماتَ وأضَرُّ الكَراماتِ لِلْوَلِيِّ ما أوْجَبَ الشُّهْرَةَ فَإنَّ الشُّهْرَةَ آفَةٌ وقَدْ نُقِلَ عَنِ الخَواصِّ أنَّها تَنْقُصُ مَرْتَبَةَ الكَمالِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِالأثَرِ المَشْهُورِ: خُصَّ بِالبَلاءِ مَن عَرَفَهُ النّاسُ. نَعَمْ ذُكِرَ في أسْرارِ القُرْآنِ أنَّ الوَلايَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعِ مَقاماتٍ الأوَّلُ مَقامُ المَحَبَّةِ، والثّانِي مَقامُ الشَّوْقِ، والثّالِثُ مَقامُ العِشْقِ والرّابِعُ مَقامُ المَعْرِفَةِ، ولا تَكُونُ المَحَبَّةُ إلّا بِكَشْفِ الجَمالِ ولا يَكُونُ الشَّوْقُ إلّا بِاسْتِنْشاقِ نَسِيمِ الوِصالِ ولا يَكُونُ العِشْقُ إلّا بِدُنُوِّ الأنْوارِ ولا تَكُونُ المَعْرِفَةُ إلّا بِالصُّحْبَةِ، وتَتَحَقَّقُ الصُّحْبَةُ بِكَشْفِ الأُلُوهِيَّةِ مَعَ ظُهُورِ أنْوارِ الصِّفاتِ، ولِحُصُولِ ذَلِكَ آثارٌ وعَلاماتٌ مَذْكُورَةٌ فِيهِ فَلْيُراجِعْهُ مَن أرادَها، والكَلامُ في هَذا المَقامِ كَثِيرٌ، وكُتُبُ القَوْمِ مَلْأى مِنهُ وما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ لِغَرَضِنا. وأحْسَنُ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الوَلِيِّ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وسُلُوكُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فَمَن خَرَجَ عَنْها قَيْدَ شِبْرٍ بَعُدَ عَنِ الوَلايَةِ بِمَراحِلَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الوَلِيِّ ولَوْ أتى بِألْفِ ألْفِ خارِقٍ فالوَلِيُّ الشَّرْعِيُّ اليَوْمَ أعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ؎أمّا الخِيامُ فَإنَّها كَخِيامِهِمْ وأرى نِساءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسائِها ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ لِما سَبَقَ لَهم في الأزَلِ مِن حُسْنِ العِنايَةِ، أوْ لا تَبْدِيلَ لِحَقائِقِهِ سُبْحانَهُ الوارِدَةِ عَلَيْهِمْ وأسْمائِهِ تَعالى المُنْكَشِفَةِ لَهم وأحْكامِ تَجَلِّياتِهِ جَلَّ وعَلا النّازِلَةِ بِهِمْ أوَّلًا، أوْ لا تَبْدِيلَ لِفِطَرِهِمُ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلٍّ مُحْدَثٌ - كَلِمَةٌ - لِأنَّهُ أثَرُ الكَلِمَةِ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيْ لا تَتَأثَّرْ بِهِ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ مِنها شَيْئًا فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويَقْهَرُهم (وهُوَ السَّمِيعُ) لِأقْوالِهِمُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ (p-180)﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ إنَّ كُلَّ مَن في ذَلِكَ تَحْتَ مُلْكِهِ سُبْحانَهُ وتَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إذْنِهِ فَهو كالتَّأْكِيدِ لِما أفادَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ أوْ أنَّ مِن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ المُمْكِناتِ عَبِيدٌ لَهُ سُبْحانَهُ لا يَصْلُحُ أحَدٌ مِنهم لِلرُّبُوبِيَّةِ فَما لا يُعْقَلُ أحَقُّ بِأنْ لا يَصْلُحَ لِذَلِكَ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ إلّا ما يَتَوَهَّمُونَهُ ويَتَخَيَّلُونَهُ شَرِيكًا ولا شَرِكَةَ لَهُ في الحَقِيقَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إشارَةٌ إلى سُكُونِ العُشّاقِ والمُشْتاقِينَ في اللَّيْلِ إذا مَدَّ أطْنابَهُ ونَشَرَ جِلْبابَهُ ومَيْلُهم إلى مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ وانْجِذابِهِمْ إلى مُشاهَدَةِ مَطْلُوبِهِمْ وتَلَذُّذِهِمْ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ واسْتِغْراقِهِمْ بِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ الرَّبّانِيَّةِ ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلا اللَّيْلُ لَما أحْبَبْتُ البَقاءَ في الدُّنْيا وهَذِهِ حالَةُ عُشّاقِ الحَضْرَةِ وهُمُ العُشّاقُ الحَقِيقِيُّونَ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ وأنْشَدَ بَعْضُ المَجازِيِّينَ: ؎أقْضِي نَهارِي بِالحَدِيثِ وبِالمُنى ∗∗∗ ويَجْمَعُنِي بِاللَّيْلِ والهَمِّ جامِعُ ؎نَهارِي نَهارُ النّاسِ حَتّى إذا بَدا ∗∗∗ لِيَ اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إلَيْكَ المَضاجِعُ ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ ألْبَسَهُ سِرْبالَ أنْوارِ القُدْرَةِ لِتَقْضُوا فِيها حاجاتِكُمُ الضَّرُورِيَّةَ وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى لَيْلِ الجِسْمِ ونَهارِ الرُّوحِ لِتُبْصِرُوا بِهِ حَقائِقَ الأشْياءِ وما تَهْتَدُونَ بِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ كَلامَ اللَّهِ تَعالى فَيُقِيمُونَ بَواطِنَهُ وحُدُودَهُ ويَطَّلِعُونَ بِهِ عَلى صِفاتِهِ وأسْمائِهِ سُبْحانَهُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ أيْ مَعْلُولًا يُجانِسُهُ ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ أُنَزِّهُهُ جَلَّ وعَلا مِن ذَلِكَ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ الَّذِي وُجُودُهُ بِذاتِهِ وبِهِ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ وذَلِكَ يُنافِي الغِنى وأكَّدَ غِناهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ إلَخْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى ونَظَرِهِ إلى قَوْمِهِ وشُرَكائِهِمْ بِعَيْنِ الغِنى وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِمَكايِدِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والقِيامِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الخَلْقِ سَواءٍ أوْ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَتْلُوَ نَبَأ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ لِيَتَّعِظَ قَوْمُهُ ويَنْزَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا يُفْضِي إلى إهْلاكِهِمْ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ إيمانًا حَقِيقِيًّا ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أيْ مُنْقادِينَ أيْ إنْ صَحَّ إيمانُكم يَقِينًا فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ لَكم فِعْلٌ ولا تَرَوْا لِأنْفُسِكم ولا لِغَيْرِكم قُوَّةً ولا تَأْثِيرًا بَلْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ مُغَسِّلِهِ فَإنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّوَكُّلِ فَناءُ بَقايا الأفْعالِ والقُوى ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ أيْ عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ الإجابَةِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما عَلى مَعْرِفَتِكُما مَقامَ السُّؤالِ وهو مَقامُ الرِّضْوانِ لِيُسْتَجابَ لَكُما بَعْدَ إذا دَعَوْتُما فَإنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ مَقامَ السُّؤالِ قَدْ يُوقِعُهُ في غَيْرِ مَقامِهِ فَيُسِيءُ الأدَبَ فَلا يُسْتَجابُ لَهُ وقِيلَ: إنَّ هَذا عِتابٌ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ قَدْ أُجِيبَ دَعْوَتُكُما لِضَعْفِكُما عَنْ تَحَمُّلِ وارِدِ امْتِحانِي فاسْتَقِيما بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَحَمُّلِ بَلائِي والصَّبْرِ فِيهِ فَإنَّهُ اللّائِقُ بِشَأْنِكُما وقَدْ قِيلَ: المَعْرِفَةُ تَقْتَضِي الرِّضا بِالقَضاءِ والسُّكُونَ في البَلاءِ وقِيلَ: أيِ اسْتَقِيما في دُعائِكُما والِاسْتِقامَةُ في الدُّعاءِ عَلى ما قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ أنْ لا يَغْضَبَ الدّاعِي لِتَأْخِيرِ الإجابَةِ ولا يَسْألُ سُؤالَ خُصُوصٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّ ويَرْضى
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب