الباحث القرآني
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أيْ بَلْ يَقُولُونَ وبَلِ انْتِقالِيَّةٌ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ أيْ ما كانَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ والمَعْنَيانِ عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: إنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ ومُعادِلَها مُقَدَّرٌ أيْ أتُقِرُّونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ افْتَراهُ وقِيلَ: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى الهَمْزَةِ وقِيلَ: عاطِفَةٌ بِمَعْنى الواوِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ طَوِيلَةً كانَتْ أوْ قَصِيرَةً ﴿مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ الِارْتِباطِ وجَزالَةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كانَ ذاكَ افْتِراءً مِنِّي فافْتَرُوا سُورَةً مِثْلَهُ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا واعْتِيادًا في النَّظْمِ والنَّثْرِ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِإتْيانِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إنْشاؤُهم لَهُ والتَّكَلُّمُ بِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ وإيرادُهُ مِن كَلامِ الغَيْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذُكِرَ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في العُدُولِ عَنْ قُولُوا سُورَةً مِثْلَهُ مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَأْتُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِكم أوْ مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ فُصَحاءِ العَرَبِ وبُلَغائِها كامْرِئِ القَيْسِ وزُهَيْرٍ وأضْرابِهِما بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ فَحَيْثُ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ تَمَرُّنِكم ولَمْ يُوجَدْ في كَلامِ أُولَئِكَ وهُمُ الَّذِينَ نُصِبَتْ لَهُمُ المَنابِرُ في عُكاظَ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ وبِهِمْ دارَتْ رَحا النَّظْمِ والنَّثْرِ وتَصَرَّمَتْ أيّامُهم في الإنْشاءِ والإنْشادِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بَلْ هو مِن كَلامِ خالِقِ القُوى والقَدَرِ وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ أيْ بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ
﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ والمُداراةِ الَّذِينَ (p-119)تَلْجَأُونَ إلَيْهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْعُوا كَما قِيلَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الدُّعاءَ مُبْتَدَأٌ مَن غَيْرِهِ تَعالى لا مُلابَسَةَ لَهُ مَعَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِوَجْهٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ ومِن بَيانِيَّةً أيِ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ
وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ قِيلَ: التَّنْصِيصُ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنُهم في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إفادَةَ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ لَأجابَهم إلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: لا بَأْسَ بِإفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ المَذْكُورَ مِمّا يُؤَيِّدُ المَقْصُودَ وهو كَوْنُ ما أتى بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ هو مِنهُ تَعالى والإيهامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّ دُعاءَهم إيّاهُ تَعالى بِمَعْنى طَلَبِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَأْتِيَ بِما كُلِّفُوهُ مُسْتَبَدًّا بِهِ مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ لِأنَّهُ يُنافِي زَعْمَهُمُ السّابِقَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 38﴾ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإمْكانِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وهو أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِقُدْرَتِكم عَلَيْهِ وجَوابُ ﴿إنْ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحَدّى مَصاقِعَ العَرَبِ بِسُورَةٍ ما مِنهُ فَلَمْ يَأْتُوا بِذَلِكَ وإلّا لَنُقِلَ إلَيْنا لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي إلى نَقْلِهِ وزَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا فَإنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ في الشَّخْصِ خُصُوصِيَّةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مُمْتازًا بِها عَنْ سائِرِ العَرَبِ فَأتى بِما أتى دُونَهم وقَدْ جاءَ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أنا أفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أنِّي مِن قُرَيْشٍ» . وأُجِيبُ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ في أقْصى الغاياتِ مِنَ الفَصاحَةِ حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ وعَزَّتْ قُدْرَتُهُ مَخَّضَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ وألْقى زُبْدَتَهُ عَلى لِسانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَما مِن خَطِيبٍ يُقاوِمُهُ إلّا نَكَصَ مُتَفَكِّكَ الرَّجُلِ وما مِن مِصْقَعٍ يُناهِرُهُ إلّا رَجَعَ فارِغَ السِّجِلِّ إلّا أنَّ كَلامَهُ ﷺ لا يُشْبِهُ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وكَلامُ شَخْصٍ واحِدٍ مُتَشابِهٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأذْواقِ الواقِفِينَ عَلى كَلامِ البُلَغاءِ قَدِيمًا وحَدِيثًا
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ الزَّعْمَ لِما فِيهِ ظاهِرًا مِن تَسْلِيمِ كَوْنِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْجِزًا لا تُسْتَطاعُ مُعارَضَتُهُ وحِينَئِذٍ العَجْزُ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ يَجْعَلُهُ دائِرًا بَيْنَ كَوْنِهِ كَلامَهُ تَعالى وكَوْنِهِ كَلامَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَثْبُتُ كَوْنُهُ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا بِضَمِّ امْتِيازِهِ عَلى كَلامِهِ ﷺ والزّاعِمُ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِذَلِكَ وأيْضًا يُنافِي هَذا التَّسْلِيمُ ما تَقَدَّمَ في بَيانِ حاصِلِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ حَيْثُ عَلَّلَ بِأنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ إلَخْ ومِن هُنا قِيلَ: الأوْجَهُ في الجَوابِ أنْ يُلْتَزَمَ عَدَمُ إعْجازِ كَلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أفْصَحَ العَرَبِ ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وأطالَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وبَعْضٌ أدْرَجَ مَسْألَةَ خَلْقِ الأفْعالِ في البَيْنِ وجَعَلَ مَدارَ الجَوابِ مَذْهَبَ الأشْعَرِيِّ فِيها ولَعَلَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ الإطالَةِ عِنْدَ مَنِ انْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ الغَيْنُ
{"ayah":"أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُوا۟ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











