الباحث القرآني

قال تعالى: ﴿فَمَن حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ۝﴾ [آل عمران: ٦١]. بيَّنَ اللهُ حالَ نبيِّه عيسى لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فبيَّنَ نَسَبَهُ ونسَبَ والدتِه ونشأتَه ومُعجزاتِه، ليكونَ على بيِّنةٍ مِن أمرِ المُفْتَرِينَ عليه، ولِيَظهَرَ عِلمُ نبيِّه عندَهم بتفاصيلِ ما يُخْفُونَ وما يَجهَلون، فلم يَعِشِ النبيُّ وسَطَ أهلِ الكتابِ، ولم يكنْ منهم، وعِلمُه بدقائقِ نشأةِ عيسى وأُمِّه ومعجزاتِه لا منفذَ له إلى ذلك إلا بوحيِ الخالقِ، فالخالقُ أعلمُ بما خَلَق. ثمَّ ذكَرَ اللهُ أنّهم يُجادِلونَ ولا ينقَطِعونَ عنادًا إلا بالمُباهَلَةِ إنِ انقطَعُوا، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ أنْ يدْعُوَهم إلى الاجتماعِ للمُباهَلةِ، فذكَرَ حالَ اجتماعِهم: الأبناءُ مع الأبناءِ، والنساءُ مع النساءِ، والرجالُ مع الرجالِ، وفي هذا بيانٌ لحالِهم وحالِ اليهودِ في استقامةِ الفِطْرةِ في تمايُزِ الجنسينِ الرجالِ والنساءِ في المَجالِسِ والمَجامِعِ، فالصِّغارُ يُفارِقُونَ مَجالِسَ الكِبارِ توقيرًا لهم ولها، فعندَ الكثرةِ يكثُرُ اللغَطُ، ويُفارِقُ الرجالُ النساءَ، والنساءُ الرجالَ في المجالِسِ، غَيْرةً وحياءً. وتقدَّمَ في البقرةِ الإشارةُ إلى شيءٍ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي آلِ عِمرانَ في قولِه: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ [٣٦]. ويأتي مزيدُ نظرٍ في هذا الاختلاطِ عندَ قولِ اللهِ تعالى عن إبراهيمَ في هودٍ: ﴿وامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وفي قصةِ موسى في القَصَصِ: ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [٢٣]، وفي قولِهِ عن موسى في طه والقصصِ: ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠]، ﴿قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩]، وفي قولِه: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. أحكامُ المباهَلَةِ: وفي قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ۝﴾ دليلٌ على مشروعيَّةِ المُباهَلةِ عندَ قيامِ سببِها ومُوجِبِها، والمباهَلَةُ مأخوذةٌ مِن الابتهالِ، وهو الاجتهادُ في الدعاءِ، ومعناهُ دعاءُ المُخْتَلِفَيْنِ على نفسَيْهِما باللَّعْنِ والعقوبةِ على ما يُحَبُّ مِن مالٍ وولدٍ وأهلٍ إنْ كان كاذبًا في دَعْواهُ، وأعظمُ أنواعِها ما ذكَرَهُ اللَّهُ تعالى: ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ﴾، أيْ: يَجْمَعُ المُتباهِلانِ أحَبَّ ما لدَيْهما، وهو الولدُ والأهلُ، فيدْعُوانِ عليهما، ولمّا كان الأمرُ في عيسى وبَشَرِيَّتِهِ ونسَبِهِ أصلَ ضَلالِ النصارى، كانتِ المباهَلةُ فيه متأكِّدةً، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّه بها إنْ لم ينقَطِعوا عن باطِلِهم إلا بذلك. وقد اصْطَلَحَ الفقهاءُ على إطلاقِ المُباهَلةِ على المُلاعَنةِ، لأنّ المباهَلةَ إلحاحٌ بالدعاءِ باللعنةِ على الكاذبِ. والمُباهَلةُ معروفةٌ في كثيرٍ مِن الشرائعِ، ومنها النصرانيَّةُ، يَتباهَلُونَ على الأمورِ العظيمةِ عندَ الاختلافِ عليها، وفي «الصحيحِ»، عن حُذيفةَ، قال: جاءَ العاقِبُ والسيِّدُ، صاحِبا نَجْرانَ، إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُريدانِ أنْ يُلاعِناهُ، قال: فقال أحدُهما لصاحِبِه: لا تفعَلْ، فواللهِ لئنْ كان نبيًّا، فلاعَنَنا لا نُفلِحُ نحن ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنّا نُعطِيكَ ما سألْتَنا، وابعَثْ معنا رجُلًا أمينًا، ولا تبعَثْ معنا إلا أمينًا، فقال: (لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أمِينًا حَقَّ أمِينٍ)، فاسْتشرَفَ له أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: (قُمْ يا أبا عُبَيْدةَ بنَ الجَرّاحِ)، فلمّا قام، قال رسولُ اللهِ ﷺ: (هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ) [[أخرجه البخاري (٤٣٨٠) (٥/١٧١).]]. وأثرُ المُباهَلةِ عظيمٌ على المتباهِلِينَ في الدِّينِ والدُّنيا، ولهذا لا تُشرَعُ إلا في أمرٍ عظيمٍ مقطوعٍ به، ولا يجوزُ التباهُلُ في الظنيّاتِ، ولا التباهُلُ في القطعيّاتِ التي لا أثَرَ على المتباهِلِينَ ومَن وراءَهم فيها، فبعضُ التباهُلِ يرفَعُ مِن شوكةِ مغمورٍ على باطلٍ، فإذا باهَلَ، ظنَّه الناسُ صادقًا فتأثَّرُوا بثباتِهِ، وهو مجازفٌ باعَ دِينَهُ بهَواهُ، ولهذا يَشتهِرُ عندَ العلماءِ مقارعةُ الخصومِ بالحُجَجِ والبيِّناتِ، وإبطالُ ضَلالِهم بالدليلِ البيِّنِ، ويندُرُ فيهم المُباهَلةُ مع خصومِهم كالصحابةِ ممَّن أدرَكُوا أهلَ البدعِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ، والتابعِينَ وأتباعِهم ممَّن أدرَكَ الرافِضةَ والجهميَّةَ والزنادِقَةَ، وغيرِهم كالأئمَّةِ الأربعةِ وأئمَّةِ السُّنَّةِ والحديثِ. مشروعيَّةُ المباهَلَةِ، والمقصودُ منها: وإذا قام سببُها في أمرٍ قطعيٍّ عظيمٍ مِن شخصٍ فَتَنَ الناسَ بقولِهِ وفِعْلِه، حتى ظنُّوا ثباتَهُ، وشَكَّ أهلُ الحقِّ في حقِّهم الذي هم عليه، فيُشرَعُ لأهلِ الحقِّ المُباهَلةُ لِيتحقَّقَ في ذلك المقصودُ مِن المُباهَلةِ، وهو: أولًا: تثبيتُ أهلِ الحقِّ على حقِّهم، فلا يُفتَنُونَ ويظنُّونَ أنّهم على باطلٍ. ثانيًا: تشكيكُ أهلِ الباطلِ في باطِلِهم، ودفعُ توهُّمِ الحقِّ عندَهم والباطلِ عندَ خصومِهم. ثالثًا: نزولُ العقوبةِ ولو بعدَ حينٍ بالكاذبِ، كفايةً لشرِّه، ودفعًا لباطِلِه، ففي «المُسنَدِ» لأحمدَ، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: «ولو خَرَجَ الذينَ يُباهِلُونَ رسولَ اللهِ ﷺ، لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ مالًا ولا أهلًا»[[أخرجه أحمد (٢٢٢٥) (١/٢٤٨).]] وهذا ليس لكلِّ أحدٍ، وإنّما لِمَقامِ النبوَّةِ، ويَخُصُّ اللهُ به بعضَ عبادِهِ مِن أوليائِه ربَّما لخصيصةٍ في الدّاعي، وربَّما لِعِظَمِ بليَّةِ مَن دُعِيَ عليه فيما يقولُ. ولا دليلَ على زمنِ هلاكِ المبطِلِ ومكانِه، فقد يُؤخِّرُه اللهُ زمنًا، وقد يُعجِّلُه اللهُ، وقد يدَّخِرُ أمْرَه للآخرةِ لحكمتِهِ سبحانَه، وقد تتحقَّقُ جميعُ هذه المقاصدِ، وقد يتحقَّقُ بعضُها. المباهلةُ في فروعِ الدين: وتجوزُ المُباهَلةُ في الفروعِ إذا خُشِيَ مِن تبديلِها وطمسِها وتحريفِها، أو جحدِها وتكذيبِها، لأنّ تبديلَ الفرعِ وتكذيبَهُ يُعتبَرُ مِن الأصولِ، بخلافِ العملِ بالفرعِ بعينِه، فهو فرعٌ، ولكنَّ إنكارَهُ وتبديلَهُ يُلحَقُ بالأصولِ، ولذا قد باهَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ كابنِ عباسٍ في الفروعِ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ في مسألةِ الجَدِّ والجَدَّةِ، ودعا ابنُ مسعودٍ إلى المُباهَلةِ في سببِ نزولِ سورةِ النساءِ كما رواهُ مَسْرُوقٌ عنه، وكذلك عكرمةُ في بعضِ أسبابِ النزولِ، كما في نزولِ قولِهِ تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، ودَعا الأَوْزاعِيُّ سُفيانَ الثوريَّ للمُباهَلةِ في مسألةِ رفعِ اليدَيْنِ في الصلاةِ، لأنّه كان يَنْفِيها مجتهدًا كقولِ الكوفيِّينَ، وتركُ العملِ بالرفعِ شيءٌ، ونفيُ كونِهِ سُنَّةً في الصلاةِ شيءٌ آخَرُ. ومَن جاءَ عنه مِن السلفِ في الفروعِ طلبُ المُباهَلةِ فقطْ، وليس أنّها حصَلتْ بينَهُ وبينَ أحدٍ مِن إخوانِه، فلعلَّ هذا لإثباتِ اليقينِ بالحقِّ، والإعلامِ بالصِّدْقِ. المباهَلَةُ على الأمرِ البيِّنِ: والأمرُ المُتَّفَقُ عليه: أنّ المُباهَلةَ لا يجوزُ إلا أنْ تكونَ بعدَ علمٍ وبيانٍ، ووضوحٍ وبرهانٍ، لا بظنٍّ ووهمٍ، ولذا قال تعالى: ﴿فَمَن حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا﴾، وتكونُ المُباهَلةُ بعدَ المناظرةِ والعجزِ عن الإقناعِ بالحقِّ لهوًى وعنادٍ وكِبْرٍ في الخَصْمِ. ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه أنْ يُباهِلَ أحدًا إلا النصارى، لِعِظَمِ باطِلِهم بنسبةِ عيسى ولدًا للهِ، مع وضوحِ باطِلِهم وشرِّه، ولذا قال تعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمانُ ولَدًا ۝لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ۝تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا ۝أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمانِ ولَدًا ۝وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمانِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ۝إنْ كُلُّ مَن فِي السَّماواتِ والأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمانِ عَبْدًا ۝﴾ [مريم: ٨٨ ـ ٩٣]، وقال تعالى: ﴿إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ۝﴾ [الإسراء: ٤٠]. ولا ينبغي استسهالُ المُباهَلةِ في كلِّ أمرٍ ولو كان قطعيًّا، حتى لا تُستسهَلَ الأَيْمانُ ولا يُعظَّمَ المحلوفُ به والمسؤولُ سبحانَه، فاللهُ يقولُ في اليمينِ المجرَّدةِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، فكيف بالأيمانِ المغلَّظةِ؟! ووضوحُ الحقِّ لا يعني المُباهَلةَ عليه حتى تُرى آثارُها في الناسِ، تحقيقًا للحقِّ، ودفعًا للباطلِ، ولو شُرِعَتِ المُباهَلةُ في كلِّ أصلٍ قطعيٍّ، فما مِن أصلٍ قطعيٍّ في الشريعةِ إلا وفيه مخالِفٌ وجاحِدٌ، ومُكابِرٌ ومُعانِدٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب