الباحث القرآني

قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ أوْ بُيُوتِ أخَواتِكُمْ أوْ بُيُوتِ أعْمامِكُمْ أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أوْ بُيُوتِ أخْوالِكُمْ أوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝﴾ [النور: ٦١]. لمّا أنزَلَ اللهُ على الناسِ تحريمَ أكلِ أموالِهِمْ بالباطلِ وشدَّدَ في ذلك عليهم، تحرَّجُوا لوَرَعِهِمْ مِن الأكلِ مِن بيوتِ بعضِهم بعضًا ممّا كانوا يَتسامَحُونَ به قبلَ ذلك، فبيَّنَ اللهُ لهم أنْ لا حرَجَ مِن الأكلِ مِن بيوتِ قَراباتِهم وما جَرَتِ العادةُ بالإذنِ به كبيوتِ الأصدقاءِ والقَراباتِ وغيرِهم، وقد صحَّ عن ابنِ عبّاسٍ أنّه قال: «لمّا أنزَلَ اللهُ: ﴿ياأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، قال المُسلِمونَ: إنّ اللهَ قد نَهانا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو أفضلُ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ منّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ، فكَفَّ الناسُ عن ذلك، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأَعْمى حَرَجٌ﴾، إلى قولِه: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾»، رواهُ الطبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ[[«تفسير الطبري» (١٧ /٣٦٦)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٨).]]. وبنحوِه قال عِكْرِمةُ والحسنُ. وفي قولِه تعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ الآيةَ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ مِن بيوتِ القَراباتِ التي جَرى العُرْفُ بالتسامُحِ فيها، ولا يَلزَمُ أن تَستأذِنَ الزوجةُ مِن زوجِها لإطعامِ قَراباتِهِ وقراباتِها في بيتِه، قال السُّدِّيُّ: «كان الرجُلُ يدخُلُ بيتَ أبيهِ أو أخيهِ أو ابنِهِ، فتُتحِفُهُ المرأةُ بشيءٍ مِن الطعامِ، فلا يأكُلُ مِن أجْلِ أنّ رَبَّ البيتِ ليس ثَمَّ»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٦).]]. وقولُه تعالى: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾، يعني: المَوالِيَ والخَدَمَ ومَن يخلُفُ الرجلَ في بيتِهِ عندَ ذَهابِهِ للغزوِ، فيأكُلونَ مِن بيتِهِ بالمعروفِ، قال بهذا عائشةُ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٦).]]، وبنحوِه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٧).]]. وقولُه: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾، يعني: أنّ دخولَ الرَّجُلِ إلى بيتِ صديقِه وإذنَهُ له بالدخولِ يُجِيزُ له الأكلَ بلا حَرَجٍ في ذلك مما يجدُهُ ولو لم يَستأذِنْهُ، وقد صحَّ عن قتادةَ قولُه: «لو دخَلْتَ على صديقٍ ثمَّ أكَلْتَ مِن طعامِهِ بغيرِ إذنِه، لكان لك حلالًا»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٨).]]. وقد حمَلَ بعضُ السلفِ هذه الآيةَ على تركِ الجهادِ لِمَن كان معذورًا عندَ وجوبِهِ على الناسِ كزَمَنِ النفيرِ والدفعِ، وحمَلُوها على معنى قولِه تعالى في التوبةِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وهذا يُروى عن عطاءٍ الخُراسانيِّ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٤).]] وابنِ زيدٍ[[«تفسير الطبري» (١٧ /٣٦٩)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٤).]]. ومنهم: مَن حمَلَهُ على تحرُّجِهم مِن الأكلِ مع الأعمى، لأنّه لا يُبصِرُ الأكلَ وما فيه مِن طيِّباتٍ، فتحرَّجُوا مِن الاستئثارِ بأكلِ الطيِّبِ دونَهُ، والأعرجِ الذي لا يستقيمُ مقعدُهُ لتناوُلِ الأكلِ كالصحيحِ المُعافى، والضعيفِ المريضِ الذي لا يَقْوى على أكلِ ما تَشتَهِيهِ نفسُهُ فيمنعُهُ العجزُ أو المرضُ، وهذا رُوِيَ عن ابنِ جُبَيْرٍ ومِقْسَمٍ والضحاكِ وسُلَيْمانَ بنِ موسى[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٣ ـ ٢٦٤٤).]]. وصحَّ عن قتادةَ أنّه قال: «مُنِعَتِ البيوتُ زمانًا كان الرجلُ لا يُطعِمُ أحدًا ولا يأكُلُ في بيتِ غيرِهِ تأثُّمًا مِن ذلك، فكان أولُ مَن رُخِّصَ له في ذلك الأعمى، ثمَّ رُخِّصَ بعدَ ذلك للناسِ عامَّةً»[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٤).]]. وقد قال مجاهدٌ: «كان الرجلُ يذهبُ بالأعمى والمريضِ والأعرجِ إلى بيتِ أبيهِ، أو إلى بيتِ أخيهِ، أو عمِّه، أو خالِه، أو خالتِه، فكان الزَّمْنى يَتحرَّجونَ مِن ذلك، يقولونَ: إنّما يَذْهَبُونَ بنا إلى بيوتِ غيرِهم، فنزَلَتْ هذه الآيةُ رُخْصةً لهم»، رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ[[«تفسير الطبري» (١٧ /٣٦٨)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٥).]]. قولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾، جاء عن ابنِ عبّاسٍ أنّه قال: «كانوا أيضًا يَأنَفُونَ ويتحرَّجونَ أنْ يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَهُ حتى يكونَ معه غيرُه، فرخَّصَ اللهُ لهم في ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾»، أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ[[«تفسير الطبري» (١٧ /٣٧٥)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨/٢٦٤٨).]]. ورُوِيَ نحوُهُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وقتادةَ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٤٩).]]. فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ: وقد جاء استحبابُ الأكلِ جماعةً في أحاديثَ وآثارٍ، وذلك لِما في جَمْعِ الناسِ على الطعامِ مِن بَرَكةِ الإطعامِ، والدُّعاءِ، وذِكْرِ اللهِ عليه، وحَمْدِهِ على تلك النِّعْمةِ، وما فيه مِن الإكرامِ والإحسانِ إلى الآكِلِ ولو كان غنيًّا. وفي «المسنَدِ»، و«السُّنَنِ»، أنّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: إنّا نَأْكُلُ ولا نَشْبَعُ؟! قال: (لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟)، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فاجْتَمِعُوا عَلى طَعامِكُمْ، واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبارَكْ لَكُمْ فِيهِ)[[أخرجه أحمد (٣ /٥٠١)، وأبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦).]]. ويُروى عندَ ابنِ ماجَهْ، مِن حديثِ عُمَرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنّه قال: (كُلُوا جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، فَإنَّ البَرَكَةَ مَعَ الجَماعَةِ)[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٨٧).]]. ويُروى مِن حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (إنَّ أحَبَّ الطَّعامِ إلى اللهِ ما كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدِي)، رواهُ أبو يَعْلى[[أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢٠٤٥)، والطبراني في «الأوسط» (٧٣١٧).]] وغيرُهُ. قولُه تعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝﴾، فيه: مشروعيَّةُ بَذْلِ السلامِ والتحيَّةِ عندَ دخولِ البيوتِ والأماكنِ ولو لم تكنْ دُورًا مملوكةً، وقد صحَّ عن ابنِ عبّاسٍ والنَّخَعيِّ حملُ قولِه تعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ على المساجدِ[[«تفسير الطبري» (١٧ /٣٨١).]]. وصحَّ عن ابنِ عبّاسٍ عمومُ البيوتِ[[«تفسير ابن أبي حاتم» (٨ /٢٦٥٠).]]. ويُستحَبُّ ذلك حتى في دخولِ الرجُلِ بيتَهُ، فيُسلِّمُ على مَن فيه مِن زوجِهِ وولدِهِ وخادمِهِ وعبدِهِ وأَمَتِه، بل لو لم يكنْ فيه أحدٌ، لوجودِ الملائكةِ، وفيه إيناسٌ وإذهابٌ للوَحْشةِ حتى في باذلِ السلامِ، والبيوتُ مُنَكَّرةٌ في الآيةِ: ﴿بُيُوتًا﴾، لتشملَ كلَّ مَسْكَنٍ. وقولُه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، كقولِهِ تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فالمرادُ المُسْلِمونَ، فهو دليلٌ على أنّ السلامَ خاصٌّ بالمؤمِنينَ على ما تقدَّمَ بيانُهُ، وذلك أنّ الكافرَ ليس مِن أنفُسِهم، ولكنْ لهم أنْ يُحَيُّوهُ بغيرِ تحيَّةِ الإسلامِ، لأنّ تحيَّةَ الإسلامِ السلامُ، وهي مِن عندِ اللهِ مباركةٌ طيِّبةٌ، وتلك لا تكونُ لكافرٍ. وقد تقدَّمَ الكلامُ على أحكامِ التحيَّةِ وحُكْمِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب