الباحث القرآني

قال تعالى: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ۝﴾ [البقرة: ١٩٠]. المقاتَلةُ تكونُ بين طرَفَيْنِ، وهي مِن المُفاعَلةِ، فكلُّ طَرَفٍ حريصٌ على قَتْلِ الآخَرِ، وأمّا القتلُ فيكونُ مِن واحدٍ لآخَرَ، ولا يَلْزَمُ منه حرصُ الآخَرِ على قَتْلِه. أول تشريع الجهاد: وهذه الآيةُ أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ في المدينةِ، وقد كان المسلِمُونَ يتهيَّؤونَ للذَّهابِ إلى مَكَّةَ لعُمْرةِ القَضاءِ سنةَ سِتٍّ، وظنَّ المسلِمونَ غَدْرَ المشرِكِينَ بالعهدِ، ويَخشَوْنَ مِن مباغَتَتِهم لهم بالقتالِ، ولم يكُنْ أُذِنَ لهم بالقتالِ في مِثْلِ هذه الحالِ، فأنزَلَ اللهُ الآيةَ بيانًا لذلك. روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ، مِن حديثِ أبي جعفرٍ، عنِ الرَّبِيعِ، في قولِه: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ۝﴾، قالَ: «هذه أوَّلُ آيةٍ نزَلَتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمّا نزَلَتْ، كان رسولُ اللهِ ﷺ يُقاتِلُ مَن يُقاتِلُهُ، ويَكُفُّ عمَّن كَفَّ عنه، حتّى نزلَتْ: ﴿بَراءَةٌ﴾»، ولم يذكُرْ عبدُ الرحمنِ: «المدينةَ»[[«تفسير الطبري» (٣/٢٨٩ ـ ٢٩٠).]]. ولمّا كانتِ الآيةُ مقيَّدةً بالمقاتَلةِ عند بدءِ العدوِّ بالقتالِ، مع النهيِ عن العدوانِ، حمَلَ بعضُ المفسِّرِينَ مِن السَّلَفِ ما جاء مِن آياتٍ آمِرةٍ بالجهادِ بالإطلاقِ على أنّها ناسِخةٌ لهذه الآيةِ، فقد روى ابنُ جَريرٍ، عنِ ابنِ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيْدٍ، في قولِه: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾، إلى آخرِ الآيةِ، قال: قد نُسِخَ هذا! وقرَأَ قولَ اللهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وهذه الناسخةُ، وقرَأَ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، حتّى بلَغَ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝﴾ [التوبة: ٥] [[«تفسير الطبري» (٣/٢٩٠).]]. وبعضُ المفسِّرينَ جعَلَ الآيةَ مُحْكَمةً لم تُنسَخْ، وأنّ العُدْوانَ المقصودَ هو النهيُ عن قتالِ الصِّبْيانِ والنِّساءِ والشُّيُوخِ، وأنّ الحكمَ باقٍ في مِثْلِ تلك الحالاتِ التي كان عليها المسلِمونَ، فعن مُعاوِيةَ، عن عليٍّ، عنِ ابنِ عبّاسٍ: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ۝﴾، يقولُ: «لا تقتُلوا النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ ولا الشيخَ الكبيرَ، ولا مَن ألقى إليكمُ السَّلَمَ وكفَّ يَدَهُ، فإن فَعلتُم هذا، فقَدِ اعتديتُم»[[«تفسير الطبري» (٣/٢٩١).]]. وعن يحيى بنِ يحيى الغَسّانيِّ، قال: كتَبْتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُهُ عن قولِه: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ۝﴾، قال: فكتَبَ إليَّ: «إنّ ذلكَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ ومَن لم ينصِبْ لكَ الحربَ منهُم»، رواهُ ابنُ جريرٍ[[«تفسير الطبري» (٣/٢٩٠).]]، وجاء هذا القولُ عن مجاهدٍ أيضًا[[«تفسير الطبري» (٣/٢٩١).]]. وهذا الأشبهُ بالصوابِ، صوَّبَهُ أبو جعفرٍ النَّحّاسُ. حكمُ قتلِ النساءِ والصبيان: والمقاتَلةُ تكونُ مِن طرَفَيْنِ، والنساءُ والصبيانُ والشيوخُ لا يُقاتِلونَ، وكلُّ مَن لم يُقاتِلِ المؤمنينَ، فلا يَدخُلُ في الآيةِ، وهذا هو الأصلُ. وحكى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على تحريمِ قتلِ النساءِ والصبيانِ إذا لم يُقاتِلُوا[[«الاستذكار» لابن عبد البر (١٤/٦٠).]]. وروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وابنُ عبدِ البرِّ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، قال: «كتَبَ عُمَرُ إلى أمراءِ الأجنادِ: لا تَقْتُلوا امرأةً ولا صبيًّا، واقتُلُوا مَن جَرَتْ عليه المَواسي»[[أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣١٢٩) (٦/٤٨٤)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٤/٦٤).]]. وروى سُنَيْدٌ، عن أبي بكرِ بنِ عَيّاشٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: كتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى جَعْوَنَةَ وكان أمَّرَهُ على الأدرابِ: «أنْ لا تَقتُلِ امرأةً، ولا شيخًا، ولا صغيرًا، ولا راهبًا»[[«الاستذكار» لابن عبد البر (١٤/٦٣).]]. ولكنْ إذا دخَلَ النساءُ في صفوفِ القتالِ، وشارَكَ الشيوخُ معَهُمْ في القتالِ، فيدخُلُونَ في حكمِ المقاتِلينَ في قولِه: ﴿وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ والليثِ وإسحاقَ. ويدخُلُ في هذا الحُكْمِ إذا كانت تشارِكُ في الحربِ في غيرِ قتالٍ، كالإمدادِ بالعُدَّةِ والعَتادِ، والتحريضِ بالشِّعْرِ والنَّدْبِ، وأمّا إذا كانَتْ تصنعُ الطعامَ والشرابَ وتُداوِي الجَرْحى، فلا أرى أنّ هذا يدخُلُ في بابِ المقاتَلةِ، لأنّ الطعامَ والشرابَ وعلاجَ المريضِ تَعملُهُ النساءُ في كلِّ حينٍ عادةً غالبةً لها، وأمّا عُدَّةُ الحربِ والندبُ إلى القتالِ، فهذا ليس مِن شأنِ النساءِ، فدخُولُها فيه دخولٌ في حُكْمِ القِتالِ. روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن هِشامٍ، عنِ الحسَنِ، قال: «إذا خَرَجَتِ المَرْأَةُ مِن المُشْرِكِينَ تُقاتِلُ، فَلْتُقْتَلْ»[[أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣١٤١) (٦/٤٨٥).]]. حكمُ قتلِ الراهبِ والشيخ الكبيرِ: ويَدخُلُ في الآيةِ الراهبُ والعُبّادُ مِن بابِ أوْلى، لاعتزالِهِ عن الناسِ، ما لم يُقاتِلْ أو يُحرِّضْ ويندُبِ الناسَ. ولا يدخُلُ الراهبُ في الاسترقاقِ، بل يبقى على حالِه، ويُترَكُ له مِن طعامِهِ ما يَكْفِيه. وجمهورُ العلماءِ على عدمِ قتلِ الشيخِ الهَرِمِ الذي لا يُنتفَعُ به في قتالٍ، وهو قولُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ حينَما بعثَهُ لقتالِ المشرِكِينَ. وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وروايةٌ عن الشافعيِّ. وللشافعيِّ قولٌ آخرُ، قال: «يُقتَلُ الفلاَّحونَ والأُجراءُ والشيوخُ الكبارُ، إلاَّ أنْ يُسلِموا أو يؤدُّوا الجِزْيةَ». والشافعيُّ يفرِّقُ بين قصدِ النساءِ والصبيانِ بالقتلِ، وبين كونِهم في الدُّورِ التي يكونُ فيها المشرِكُونَ، فيأخُذُ النساءُ والصبيانُ والشيوخُ حُكْمَ المقاتِلِينَ، ويَستدِلُّ بحديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ رضي الله عنه، قال: «مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأَبْواءِ ـ أوْ بِوَدّانَ ـ وسُئِلَ عَنْ أهْلِ الدّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصابُ مِن نِسائِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ، قالَ: (هُمْ مِنهُمْ)، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (لا حِمى إلاَّ للهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ)»، أخرَجَهُ الشيخانِ[[أخرجه البخاري (٣٠١٢) (٤/٦١)، ومسلم (١٧٤٥) (٣/١٣٦٤).]]. ورَمْيُ المشرِكِينَ في حصونِهم، وقتلُ الأطفال والنساءِ وأسرى المسلمين تبعًا لذلك، دون أن يُقْصَدُوا عينًا: جوَّزَهُ كثيرٌ مِن الفقهاءِ، قال به مالكٌ والثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم. وقال الأوزاعيُّ: «إذا تترَّسَ الكفّارُ بأطفالِ المسلمينَ لم يُرْمَوْا، لقولِ اللهِ عزّ وجل: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥]»[[«الاستذكار» لابن عبد البر (١٤/٦٦).]]. وإذا كان المسلِمُونَ لا يَمْلِكونَ فَكَّ أسْراهُم، ولا يَملِكونَ تَفادِيَهم، ولا تفادِيَ نساءِ المشرِكِينَ ولا صِبْيانِهم ولا كَنائِسِهم عند القتالِ الذي بتعجيلِهِ نُصْرةُ المسلِمِينَ، وبتأخيرِهِ ضعفٌ وهوانٌ وهزيمةٌ لهم، فيجبُ عليهم القتالُ ولو قُتِلَ أسْرى المسلِمِينَ وصِبْيانُ المشرِكِينَ ونساؤُهم، مع أنّ الحالاتِ في ذلك تتبايَنُ بحَسَبِ كَثْرةِ الأسرى والحاجةِ للقتالِ، وأثرِ تأخيرِ القتالِ على المسلِمينَ. فهذه اعتباراتٌ لا بُدَّ مِن أخذِها عندَ الحُكْمِ على مسألةٍ بعينِها. حكمُ قتلِ الفلاَّحين والعُمّال: والفَلاَّحُ والعامِلُ والأجيرُ لغيرِ الحربِ، وكلُّ مَن لم يقاتِلْ أو لم يُعِنْ على عُدَدِ الحربِ وعَتادِها، أو لم يحرِّضْ على قتالٍ: فإنّه لا يُقتَلُ، فصحَّ في «المسنَدِ»، مِن حديثِ المرقَّعِ بنِ صَيْفِيٍّ، عن جَدِّهِ رَباحِ بنِ الرَّبِيعِ، أخي حَنْظَلَةَ الكاتِبِ، أنَّهُ أخْبَرَهُ: أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزاها، وعَلى مُقَدِّمَتِهِ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَرَّ رَباحٌ وأَصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، مِمّا أصابَتِ المُقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها، ويَتَعَجَّبُونَ مِن خَلْقِها، حَتّى لَحِقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ، فانْفَرَجُوا عَنْها، فَوَقَفَ عَلَيْها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: (ما كانَتْ هَذِهِ لِتُقاتِلَ)، فَقالَ لأَحَدِهِمُ: (الحَقْ خالِدًا، فَقُلْ لَهُ: لا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، ولا عَسِيفًا)، أخرجه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ وابنُ ماجهْ[[أخرجه أحمد (١٥٩٩٢) (٣/٤٨٨)، وابن ماجه (٢٨٤٢) (٢/٩٤٨)، وأبو داود (٢٦٦٩) (٣/٥٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٥٧١) (٨/٢٧).]]. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن زَيْدِ بنِ وهْبٍ، قالَ: كَتَبَ عُمَرُ رضي الله عنه: «لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا ولِيدًا، واتَّقُوا اللهَ فِي الفَلاَّحِينَ الَّذِينَ لا يَنْصُبُونَ لَكُمُ الحَرْبَ»[[أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٦٢٥) (٢/٢٨٠).]]. ورُوِيَ نحوُهُ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، رواهُ ابنُ المنذِرِ[[«الإشراف على مذاهب العلماء» لابن المنذر (٤/٢٠).]]. والآيةُ محمولةٌ على جهادِ الدَّفْعِ عندَ صَوْلةِ المشرِكِ وعدوانِه، وقد أنزَلَ اللهُ في القتالِ العامِّ متى توافَرَتْ أسبابُهُ ما في سورةِ التوبةِ، قال: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ومع أنّ المسلِمِينَ في المدينةِ لم تكتمِلْ لهمُ القُوَّةُ، وأيضًا فشَوْكةُ المشرِكِينَ بمكَّةَ قويَّةٌ، أنزَلَ اللهُ عليهِمُ الأمرَ بالقتالِ عند العدوانِ، وفيه أهميَّةُ الجهادِ، وإظهارُ قوةِ المسلِمينَ، وحالُ المسلِمِينَ حينئذٍ يُمكِنُ معَها تَرْكُ العمرةِ، وعدَمُ التعرُّضِ للمشرِكِينَ، ولكنَّ الإبقاءَ على أمرِ العُمْرةِ، وإظهارَ العُدَّةِ للمقاتَلةِ عند العُدْوانِ: يُورِثُ هَيْبةً للأُمَّةِ في نفوسِ المشرِكِينَ. وأكثَرُ ما يُستضعَفُ المسلِمُونَ عندَ تركِ الجهادِ وتركِ إظهارِ القوةِ، واللهُ جعَلَ إظهارَ القوةِ وإعدادَ العُدَّةِ ولو بلا قتالٍ مَطْلَبًا، ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإدخالُ الرهبةِ على نفوسِ المشرِكِينَ مَقصَدٌ، وظهورُ ضعفِ المسلِمِينَ يجرِّئُ عليهم غيرَهُمْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب