الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾
هَذِهِ الآيَةُ مِن مَواضِعِ الإيهامِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، وهو أنَّها تَنُصُّ وعَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، أنَّهُ لا يَصْلى النّارَ إلّا الأشْقى مَعَ مَجِيءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى وُرُودِ الجَمِيعِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الآيَةَ بَيْنَ حالِيْ عَظِيمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وعَظِيمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأُرِيدَ أنْ يُبالَغَ في صِفَتَيْهِما المُتَناقِضَتَيْنِ.
فَقِيلَ: الأشْقى وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالصَّلى، كَأنَّ النّارَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقالَ الأتْقى، وجُعِلَ مُخْتَصًّا بِالجَنَّةِ، وكَأنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ إلّا لَهُ، وقِيلَ عَنْهُما: هُما أبُو جَهْلٍ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ المُشْرِكَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الصَّلى الدُّخُولُ والشَّيْءَ، وأنْ يَكُونَ وقُودُ النّارِ عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ، والوُرُودُ والدُّخُولُ المُؤَقَّتُ بِزَمَنٍ غَيْرِ الصَّلى؛ لِقَوْلِهِ في آيَةِ الوُرُودِ، الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، ويَبْقى الإشْكالُ، بَيْنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وبَيْنَ الأتْقى، ويُجابُ عَنْهُ: بِأنَّ التَّقِيَّ يَرِدُ، والأتْقى لا يَشْعُرُ بِوُرُودِها، كَمَن يَمُرُّ عَلَيْها كالبَرْقِ الخاطِفِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلَوْلا التَّأْكِيدُ في آيَةِ الوُرُودِ بِالمَجِيءِ بِحَرْفِ ”مِن“ و ”إلّا“، وقَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، لَوْلا هَذِهِ المَذْكُوراتُ لَكانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ (p-٥٥٢)الآيَةِ، وأنَّ الأتْقى لا يَرِدُها، إلّا أنَّ وُجُودَ تِلْكَ المَذْكُوراتِ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَصِيرِ القِسْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، ﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ﴾، و ﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ﴾، وأنْ صَلْيَها بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ وهو عَيْنُ الشَّقاءِ، ويَتَجَنَّبُها الأتْقى الَّذِي صَدَّقَ، وكانَ نَتِيجَةُ تَصْدِيقِهِ أنَّهُ أعْطى مالَهُ يَتَزَكّى، وجَعَلَ إتْيانَ المالِ نَتِيجَةَ التَّصْدِيقِ أمْرًا بالِغَ الأهَمِّيَّةِ.
وَذَلِكَ أنَّ العَبْدَ لا يُخْرِجُ مِن مالِهِ شَيْئًا إلّا بِعِوَضٍ؛ لِأنَّ الدُّنْيا كُلَّها مُعاوَضَةٌ، حَتّى الحَيَوانُ تُعْطِيهِ عَلَفًا يُعْطِيكَ ما يُقابِلُهُ مِن خِدْمَةٍ أوْ حَلِيبٍ. إلَخْ.
فالمُؤْمِنُ المُصَدِّقُ بِالحُسْنى يُعْطِي، ويَنْتَظِرُ الجَزاءَ الأوْفى، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ أنَّهُ مُتَعامِلٌ مَعَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
أمّا المُكَذِّبُ: فَلَمْ يُؤْمِن بِالجَزاءِ آجِلًا، فَلا يُخْرِجُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِوَضًا مُعَجَّلًا، ولا يَنْتَظِرُ ثَوابًا مُؤَجَّلًا، ولِذا كانَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ، يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ويُواسُونَهم ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا، ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، إيمانًا بِما عِنْدَ اللَّهِ، بَيْنَما كانَ المُنافِقُونَ لا يُنْفِقُونَ إلّا كُرْهًا ولا يُخْرِجُونَ إلّا الرَّدِيءَ، الَّذِي لَمْ يَكُونُوا لِيَأْخُذُوهُ مِن غَيْرِهِمْ إلّا لِيُغْمِضُوا فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ التَّصْدِيقُ بِالحُسْنى أوِ التَّكْذِيبُ بِها.
وَلِذا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ» أيْ: عَلى صِحَّةِ الإيمانِ بِما وعَدَ اللَّهُ المُتَّقِينَ، مِنَ الخَلَفِ المُضاعَفَةِ الحَسَنَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، أيْ: يَتَطَهَّرُ ويَسْتَزِيدُ، إذِ التَّزْكِيَةُ تَأْتِي بِمَعْنى النَّماءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وعَلى عُمُومِ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]، ولا يُقالُ: إنَّها زَكاةُ المالِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ لَمْ تُشْرَعْ إلّا بِالمَدِينَةِ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
تَنْبِيهٌ.
(p-٥٥٣)قَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، إلى آخِرِ السُّورَةِ. نازِلٌ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِما كانَ يُعْتِقُ ضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ، ومَن يُعَذَّبُونَ عَلى إسْلامِهِمْ في مَكَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ الأقْوِياءَ يُساعِدُونَكَ ويُدافِعُونَ عَنْكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وابْتِغاءُ وجْهِ رَبٍّ هو بِعَيْنِهِ، وصَدَّقَ بِالحُسْنى، أيْ: لِوَجْهِ اللَّهِ يَرْجُو الثَّوابَ مِنَ اللَّهِ.
وَكَما تَقَدَّمَ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وإنَّ صُورَةَ السَّبَبِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ. فَهَذِهِ بُشْرى عَظِيمَةٌ لِلصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ في غايَةٍ مِنَ التَّأْكِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عَلى وعْدِهِ إيّاهُ ﷺ وأرْضاهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ ؟ " نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهم» . اهـ.
وَإنّا لَنَرْجُو اللَّهَ كَذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى.
تَنْبِيهٌ.
فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١]، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ أنَّها في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعْلى مَنازِلِ البُشْرى؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ بِعَيْنِهِ، قِيلَ لِلرَّسُولِ ﷺ قَطْعًا في السُّورَةِ بَعْدَها، سُورَةِ ”الضُّحى“: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥]، فَهو وعْدٌ مُشْتَرَكٌ لِلصِّدِّيقِ ولِلرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّهُ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ أُسْنِدَ العَطاءُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، كَما ذَكَرَ فِيهِ العَطاءَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى غَيْرِهِ ﷺ وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن أنَّهُ ﷺ لَهُ عَطاءاتٌ لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ، عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
{"ayah":"لَا یَصۡلَىٰهَاۤ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











