الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ قُرِئَ: ”تُؤْثِرُونَ“ بِالتّاءِ وبِالياءِ راجِعًا إلى ﴿الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٢]، وعَلى أنَّها بِالتّاءِ لِلْخِطابِ أعَمُّ، وحَيْثُ إنَّ هَذا الأمْرَ عامٌّ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، ويُذْكَرُ في الصُّحُفِ الأُولى كُلِّها عامَّةً، وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى، مِمّا يَدُلُّ عَلى خُطُورَتِهِ، وأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ عَلى النّاسِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أسْبابِ ذَلِكَ مِنها: الجَهْلُ، وعَدَمُ العِلْمِ بِالحَقائِقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أيِ: الحَياةُ الدّائِمَةُ.
وَقَدْ رَوى القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قَوْلَهُ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا مِن ذَهَبٍ يَفْنى، والآخِرَةُ مِن خَزَفٍ يَبْقى، لَكانَ الواجِبُ أنْ يُؤْثَرَ خَزَفٌ يَبْقى عَلى ذَهَبٍ يَفْنى، فَكَيْفَ والآخِرَةُ مَن ذَهَبٍ يَبْقى والدُّنْيا مِن خَزَفٍ يَفْنى ؟
وَمِن أسْبابِ ذَلِكَ أنَّ الدُّنْيا زُيِّنَتْ لِلنّاسِ، وعُجِّلَتْ لَهم كَما في قَوْلِهِ: (p-٥٠٥)﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وَبَيِّنَ تَعالى هَذا المَآبَ الحَسَنَ وهو في وصْفِهِ يُقابِلُ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾، فَقالَ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ١٥] .
تَأمَّلْ هَذا البَدِيلَ، فَفي الدُّنْيا: ذَهَبٌ، وخَيْلٌ، ونِساءٌ، والأنْعامُ، والحَرْثُ، وقَدْ قابَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالجَنَّةِ؛ فَعَمَّتْ وشَمِلَتْ. ولَكِنْ نَصَّ عَلى أزْواجٍ مُطَهَّرَةٍ؛ لِيَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ نِساءِ الدُّنْيا ونِساءِ الآخِرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في: وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، ولَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وخَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَنُصُّ عَلى الخَيْرِيَّةِ في الآخِرَةِ.
وَلا شَكَّ أنَّ مَن آثَرَ الآخِرَةَ غالِبٌ عَلى مَن آثَرَ الدُّنْيا، وظاهَرٌ عَلَيْهِ، كَما صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] .
فَمِن هَذا؛ يَظْهَرُ أنَّ أسْبابَ إيثارِ النّاسِ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، هو تَزْيِينُها وزَخْرَفَتُها في أعْيُنِهِمْ: بِالمالِ، والبَنِينَ، والخَيْلِ، والأنْعامِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
وَقَدْ سِيقَ هَذا، لا عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ بِالواقِعِ فَحَسْبُ، بَلْ إنَّ مِن ورائِهِ ما يُسَمّى لازِمَ الفائِدَةَ، وهو ذَمُّ مَن كانَ هَذا حالُهُ، فَوَجَبَ البَحْثُ عَنِ العِلاجِ لِهَذِهِ الحالَةِ.
وَإذا ذَهَبْنا نَتَطَلَّبُ العِلاجَ، فَإنَّنا في الواقِعِ نُواجِهُ أخْطَرَ مَوْضُوعٍ عَلى الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ يَشْمَلُ حَياتَهُ الدُّنْيا ومَآلَهُ في الآخِرَةِ، ويَتَحَكَّمُ في سَعادَتِهِ وفَوْزِهِ، أوْ شَقاوَتِهِ وحِرْمانِهِ، وإنَّ أقْرَبَ مَأْخَذٍ لَنا لَهو هَذا المَوْطِنُ بِالذّاتِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو بِضَمِيمَةِ ما قَبْلَها إلَيْها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٠ - ١٢]، وبَعْدَها ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤ ١٤ - ٦] (p-٥٠٦)فَقَدْ قَسَّمَتْ هَذِهِ الآياتُ الأُمَّةَ كُلَّها أُمَّةَ الدَّعْوَةِ إلى قِسْمَيْنِ.
أمّا التَّذْكِيرُ والإنْذارُ، إذْ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩]، فَهَذا مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ وجاءَ تَقْسِيمُ الأُمَّةِ إلى القِسْمَيْنِ في الآيَتَيْنِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾: فَيَنْتَفِعُ بِالذِّكْرى وتَنْفَعُهُ: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾، فَلا تَنْفَعُهُ ولا يَنْتَفِعُ بِها، ثُمَّ جاءَ الحُكْمُ بِالفَلاحِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾، أيْ: مَن يَخْشى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى، ولَمْ يَغْفُلْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا المَوْقِفُ بِنَفْسِهِ هو المُفَصَّلُ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، وفي مَعْرِضِ التَّوْجِيهِ لَنا والتَّوْبِيخِ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ أيْضًا: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] .
فَقَسْوَةُ القَلْبِ، وطُولُ الأمَدِ والتَّسْوِيفُ: هي العَوامِلُ الأساسِيَّةُ لِلْغَفْلَةِ وإيثارِ الدُّنْيا. والخَشْيَةُ والذِّكْرُ: هي العَوامِلُ الأساسِيَّةُ لِإيثارِ الآخِرَةِ، ثُمَّ عَرَضَ الدُّنْيا في حَقِيقَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١] .
فَوَصَفَ الدّاءَ والدَّواءَ مَعًا في هَذا السِّياقِ. فالدّاءُ: هو الغُرُورُ، والدَّواءُ: هو المُسابَقَةُ إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾، قِيلَ: اسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى السُّورَةِ كُلِّها؛ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّوْحِيدِ والمَعادِ، والذِّكْرِ، والعِباداتِ. والصُّحُفُ الأُولى: هي ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾، عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى.
وَجاءَ عِنْدَ القُرْطُبِيِّ: أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ كانَتْ أمْثالًا، وصُحُفَ مُوسى كانَتْ مَواعِظَ، وذَكَرَ نَماذِجَ لَها.
وَعِنْدَ الفَخْرِ الرّازِيِّ «مِن رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”كَمْ أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ؟ فَقالَ: مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ: عَلى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ، وعَلى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وعَلى إبْراهِيمَ عَشْرَ صَحائِفَ، والتَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، والفُرْقانَ“» .
(p-٥٠٧)وَفِي هَذا نَصٌّ عَلى أنَّ في القُرْآنِ مِمّا في الصُّحُفِ الأُولى، وقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ أنْ مَعانٍ أُخْرى كَذَلِكَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى كَما في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤٠] .
وَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّها أكْثَرُها أمْثالًا ومَواعِظَ، كَما يُؤَكِّدُ تَرابُطَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
{"ayah":"بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











