الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بُرْهانًا قاطِعًا ثانِيًا عَلى البَعْثِ وامْتِنانًا عَظِيمًا عَلى الخَلْقِ بِخَلْقِ أرْزاقِهِمْ لَهم، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، يَعْنِي أفَرَأيْتُمُ البَذْرَ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ في الأرْضِ بَعْدَ حَرْثِها أيْ تَحْرِيكِها وتَسْوِيَتِها ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أيْ تَجْعَلُونَهُ زَرْعًا، ثُمَّ تُنَمُّونَهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ هو أنْ يُقالَ: أنْتَ يا رَبَّنا هو الزّارِعُ المُنْبِتُ، ونَحْنُ لا قُدْرَةَ لَنا عَلى ذَلِكَ فَيُقالُ لَهم: كُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ مَن أنْبَتَ هَذا السُّنْبُلَ مِن هَذا البَذْرِ الَّذِي تَعَفَّنَ في باطِنِ الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَكم بَعْدَ مَوْتِكم. وكَوْنُ إنْباتِ النَّباتِ بَعْدَ عَدَمِهِ مِن بَراهِينِ البَعْثِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مُسْتَوْفاةً مَعَ سائِرِ آياتِ بَراهِينِ البَعْثِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ والجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ، (p-٥٣٢)وَأحَلْنا عَلَيْها مِرارًا.
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ أنْ يَنْظُرَ في هَذا البُرْهانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - وجَّهَ في كِتابِهِ صِيغَةَ أمْرٍ صَرِيحَةٍ عامَّةٍ في كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في هَذا البُرْهانِ العَظِيمِ المُتَضَمِّنِ لِلِامْتِنانِ لَأعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الخَلْقِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وشَدَّةِ حاجَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ مَعَ غِناهُ عَنْهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .
والمَعْنى: انْظُرْ أيُّها الإنْسانُ الضَّعِيفُ إلى طَعامِكَ كالخُبْزِ الَّذِي تَأْكُلُهُ ولا غِنى لَكَ عَنْهُ، مَن هو الَّذِي خَلَقَ الماءَ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِإنْباتِهِ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ عَلى خَلْقِ الماءِ ؟ أيْ إبْرازِهِ مِن أصْلِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ خُلِقَ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الهائِلِ العَظِيمِ الَّذِي يُسْقِي بِهِ الأرْضَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ ولا غَرَقٍ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ نَزَلَ في الأرْضِ، مَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنْ مَسارِ الزَّرْعِ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الزَّرْعَ طَلَعَ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ السُّنْبُلِ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ السُّنْبُلَ خَرَجَ مِنهُ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إنْباتِ الحَبِّ فِيهِ وتَنْمِيَتِهِ حَتّى يُدْرَكَ صالِحًا لِلْأكْلِ ؟
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، والمَعْنى: انْظُرُوا إلى الثَّمَرِ وقْتَ طُلُوعِهِ ضَعِيفًا لا يَصْلُحُ لِلْأكْلِ، وانْظُرُوا إلى يَنْعِهِ، أيِ انْظُرُوا إلَيْهِ بَعْدَ أنْ صارَ يانِعًا مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ، تَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي رَبّاهُ ونَمّاهُ حَتّى صارَ كَما تَرَوْنَهُ وقْتَ يَنْعِهِ - قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مُنْعِمٌ عَلَيْكم عَظِيمُ الإنْعامِ؛ ولِذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فاللّازِمُ أنْ يَتَأمَّلَ الإنْسانُ ويَنْظُرَ في طَعامِهِ ويَتَدَبَّرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ [عبس: ٢٥] أيْ عَنِ النَّباتِ شَقًّا إلى آخِرِ ما بَيَّنّاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، يَعْنِي لَوْ نَشاءُ تَحْطِيمَ ذَلِكَ الزَّرْعِ لَجَعَلْناهُ حُطامًا، أيْ فُتاتًا وهَشِيمًا، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً بِكم. ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِجَزاءِ الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] (p-٥٣٣)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى فَظَلْتُمْ تَعْجَبُونَ مِن تَحْطِيمِ زَرْعِكم.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَفَكَّهُونَ بِمَعْنى تَنْدَمُونَ عَلى ما خَسِرْتُمْ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِتَحْطِيمِ زَرْعِكم. والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ في سَبَبِ النَّدَمِ هو الأظْهَرُ.
{"ayah":"أَفَرَءَیۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











