الباحث القرآني
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ أهْلِ البادِيَةِ مِنهُمْ، أيْ: مِمَّنْ حَوْلَ بَلْدَتِكم ﴿مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، كانُوا نازِلِينَ حَوْلَها ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِما عُطِفَ عَلى خَبَرِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَهُ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعُ الثَّنايا
والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ، أيْ: تَمَهَّرُوا فِيهِ، مِن (مَرَنَ) فُلانٌ عَلى عَمَلِهِ و(مَرَدَ) عَلَيْهِ إذا (دَرِبَ) بِهِ و(ضَرِيَ) حَتّى لانَ عَلَيْهِ و(مَهَرَ) فِيهِ، غَيْرَ أنَّ (مَرَدَ) لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، فالتَّمَرُّدُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ شُمُولِ النِّفاقِ، وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ خاصٌّ بِمُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ وهو الأظْهَرُ والأنْسَبُ بِذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِ البادِيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي الأعْرابِ المُجاوِرِينَ لِلْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَمَرُّدِهِمْ، أيْ: لا تَعْرِفُهم أنْتَ لَكِنْ لا بِأعْيانِهِمْ وأسْمائِهِمْ وأنْسابِهِمْ، بَلْ بِعُنْوانِ نِفاقِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَهارَةِ في النِّفاقِ والتَّنَوُّقِ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ (p-98)والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ إلى مَبْلَغٍ يَخْفى عَلَيْكَ حالُهم - مَعَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عُلُوِّ الكَعْبِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في كَمالِ الفِطْنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ، وفي تَعْلِيقِ نَفْيِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحالِهِمْ - مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ، وإيماءٌ إلى أنَّ ما هم فِيهِ مِن صِفَةِ النِّفاقِ لِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيها صارَتْ بِمَنزِلَةِ ذاتِيّاتِهِمْ أوْ مُشَخَّصاتِهِمْ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ مَن لا يَعْرِفُهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ عالِمًا بِهِمْ، وحَمْلُ عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بِأعْيانِهِمْ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ ﷺ بَعْدَ مَجِيءِ هَذا البَيانِ - عَلى أنَّهُ، ﷺ يَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ مُنافِقِينَ، لَكِنْ لا يَعْلَمُهم بِأعْيانِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ - عارٍ عَمّا ذُكِرَ مِنَ المُبالَغَةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في فَنِّ النِّفاقِ، أيْ: لا يَقِفُ عَلى سَرائِرِهِمُ المَرْكُوزَةِ في ضَمائِرِهِمْ إلّا مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطانِ الكُفْرِ وإظْهارِ الإخْلاصِ، وفي تَعْلِيقِ العِلْمِ بِهِمْ - مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَعَلُّقِهِ بِحالِهِمْ - ما مَرَّ في تَعْلِيقِ نَفْيِهِ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، وتَحْقِيقٌ لِعَذابِهِمْ حَسْبَما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ مِن مُوجِباتِهِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ خَطِيبًا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: «اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ»» فَأخْرَجَ ناسًا وفَضَحَهُمْ، فَهَذا هو العَذابُ الأوَّلُ، والثّانِي إمّا القَتْلُ، وإمّا عَذابُ القَبْرِ، أوِ الأوَّلُ هو القَتْلُ، والثّانِي عَذابُ القَبْرِ، أوِ الأوَّلُ أخْذُ الزَّكاةِ لِما أنَّهم يَعُدُّونَها مَغْرَمًا بَحْتًا، والثّانِي نَهْكُ الأبْدانِ وإتْعابُها بِالطّاعاتِ الفارِغَةِ عَنِ الثَّوابِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ، أوِ النِّفاقِ المُؤَكَّدِ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"المَرَّتَيْنِ" مُجَرَّدَ التَّكْثِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أيْ: كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ هو عَذابُ النّارِ، وفي تَغْيِيرِ السَّبْكِ بِإسْنادِ عَذابِهِمُ السّابِقِ إلى نُونِ العَظَمَةِ - حَسَبَ إسْنادِ ما قَبْلَهُ مِنَ العِلْمِ وإسْنادِ رَدِّهِمْ إلى العَذابِ اللّاحِقِ إلى أنْفُسِهِمْ - إيذانٌ بِاخْتِلافِهِما حالًا، وأنَّ الأوَّلَ خاصٌّ بِهِمْ وُقُوعًا وزَمانًا يَتَوَلّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والثّانِيَ شامِلٌ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وُقُوعًا وزَمانًا، وإنِ اخْتَلَفَتْ طَبَقاتُ عَذابِهِمْ.
{"ayah":"وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَـٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِیمࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











