الباحث القرآني

﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿دُبُرَهُ﴾ فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ إمّا بِالتَّوَجُّهِ إلى قِتالِ طائِفَةٍ أُخْرى أهَمَّ مِن هَؤُلاءِ، وإمّا بِالفَرِّ لِلْكَرِّ، بِأنْ يُخَيَّلَ عَدُوُّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيُغِرَّهُ ويُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أعْوانِهِ، ثُمَّ يَعْطِفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، أوْ مَعَ مَن في الكَمِينِ مِن أصْحابِهِ، وهو بابٌ مِن خِدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: مُنْحازًا إلى جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَنْضَمَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ يُقاتِلَ مَعَهُمُ العَدُوَّ. «عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنْ سَرِيَّةً فَرُّوا وأنا مَعَهُمْ، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ اسْتَحْيَوْا ودَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ ﷺ: "بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ"» أيِ: الكَرّارُونَ مِن عَكَرَ، أيْ: رَجَعَ وأنا فِئَتُكم. وانْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ فَفَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا؛ لِأنَّهُ مِن حازَ يَجُوزُ، وانْتِصابُهُما إمّا عَلى الحالِيَّةِ و(إلّا) لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، وإمّا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِن في قَوْلِهِ (p-13)تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِغَضَبٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ والهَوْلِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَدَلَ ما أرادَ بِفِرارِهِ أنْ يَأْوِيَ إلَيْهِ مِن مَأْوًى يُنْجِيهِ مِنَ القَتْلِ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في إيقاعِ البَوْءِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي هو التَّوْلِيَةُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ المَأْوى والمَصِيرِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنِ العَدُوُّ أكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب