الباحث القرآني
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ كَمالِ عِظَمِ جِنايَةِ الكَفَرَةِ في جَراءَتِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِتَذْكِيرِ مَبادِئِ (p-303)أحْوالِهِمُ المُنافِيَةِ لَهُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ هو آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِن خَلْقِهِمْ وتَصْوِيرِهِمْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ.
﴿وَجَعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَلَقَكم داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا، لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ.
﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، أوْ مِن جَسَدِها، لِما يُرْوى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ إذِ الجِنْسِيَّةُ هي المُؤَدِّيَةُ إلى الغايَةِ الآتِيَةِ لا الجُزْئِيَّةُ.
والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَوْجَها﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى الإنْشاءِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والأوَّلُ هو الأوْلى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ الثّانِي؛ أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها اطْمِئْنانًا مُصَحِّحًا لِلِازْدِواجِ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ.
وَيُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾؛ أيْ: جامَعَها.
﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ في مَبادِئِ الأمْرِ، فَإنَّهُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً، أوْ عَلَقَةً، أوْ مُضْغَةً، أخَفُّ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ خِفَّتِهِ لِلْإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، في إنْشائِهِ تَعالى إيّاهم مُتَدَرِّجِينَ في أطْوارِ الخَلْقِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾؛ أيْ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ كَما كانَتْ قَبْلُ، حَيْثُ قامَتْ وقَعَدَتْ، وأخَذَتْ وتَرَكَتْ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقُرِئَ: ( فَمَرَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ، و( فَمارَتْ ) مِنَ المَوْرِ: وهو المَجِيءُ والذَّهابُ، أوْ مِنَ المِرْيَةِ: فَظَنَّتِ الحَمْلَ وارْتابَتْ بِهِ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: حَمَلَتْ حَمْلًا خَفَّ عَلَيْها، ولَمْ تَلْقَ مِنهُ ما يَلْقى بَعْضُ الحَبالى مِن حَمْلِهِنَّ مِنَ الكَرْبِ والأذِيَّةِ، ولَمْ تَسْتَثْقِلْهُ كَما يَسْتَثْقِلْنَهُ، فَمَرَّتْ بِهِ؛ أيْ: فَمَضَتْ بِهِ إلى مِيلادِهِ مِن غَيْرِ إخْداجٍ ولا إزْلاقٍ؛ فَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ إذْ مَعْناهُ: فَلَمّا صارَتْ ذاتَ ثِقَلٍ لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها، ولا رَيْبَ في أنَّ الثِّقَلَ بِهَذا المَعْنى لَيْسَ مُقابِلًا لِلْخِفَّةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، إنَّما يُقابِلُها الكَرْبُ الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَهُنَّ مِن أوَّلِ الحَمْلِ إلى آخِرِهِ دُونَ بَعْضٍ أصْلًا، وقُرِئَ: ( أُثْقِلَتْ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أثْقَلَها حَمْلُها.
﴿دَعَوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمّا دَهِمَهُما أمْرٌ لَمْ يَعْهَداهُ ولَمْ يَعْرِفا مَآلَهُ، فاهْتَمّا بِهِ وتَضَرَّعا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّهُما﴾؛ أيْ: مالِكَ أمْرِهِما الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ الدُّعاءُ إشارَةٌ إلى أنَّهُما قَدْ صَدَّرا بِهِ دُعاءَهُما، كَما في قَوْلِهِما: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا ...﴾ الآيَةَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ بِهِ؛ أيْ: دَعَواهُ تَعالى أنْ يُؤْتِيَهُما صالِحًا ووَعَدا، بِمُقابَلَتِهِ الشُّكْرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ.
وَقالا، أوْ قائِلِينَ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾؛ أيْ: ولَدًا مِن جِنْسِنا سَوِيًّا.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾ نَحْنُ ومَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِنا.
﴿مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِكَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ النِّعْمَةُ، وتَرْتِيبُ هَذا الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، لِما أنَّهُما قَدْ عَلِما أنَّ ما عَلَّقا بِهِ دُعاءَهُما أُنْمُوذَجٌ لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ، ومِعْيارٌ لَها ذاتًا، وصِفَةُ وُجُودِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِوُجُودِها، وصَلاحُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِصَلاحِها؛ فالدُّعاءُ في حَقِّهِ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ في حَقِّ الكُلِّ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ، كَأنَّهُما قالا: لَئِنْ آتَيْتَنا وذُرِّيَّتَنا أوْلادًا صالِحَةً.
وَقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ " ﴿آتَيْتَنا﴾ " أيْضًا لَهُما ولِكُلِّ مَن يَتَناسَلُ مِن ذُرِّيَّتِهِما، فالوَجْهُ ظاهِرٌ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ نَظْمَ الكُلِّ (p-304)فِي سِلْكِ الدُّعاءِ أصالَةً يَأْباهُ مَقامُ المُبالَغَةِ في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما هُما بِصَدَدِهِ، وأمّا جَعْلُ ضَمِيرِ " ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ " لِلْكُلِّ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ؛ لِأنَّ تَوْسِيعَ دائِرَةِ الشُّكْرِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالِاعْتِناءِ المَذْكُورِ، بَلْ مُؤَكِّدٌ لَهُ.
{"ayah":"۞ هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسࣲ وَ ٰحِدَةࣲ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِیَسۡكُنَ إِلَیۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِیفࣰا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّاۤ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَىِٕنۡ ءَاتَیۡتَنَا صَـٰلِحࣰا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











