الباحث القرآني

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ ﷺ، وجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ حالِهِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ، وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ. وَ" ما " إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وإمّا نافِيَةٌ اسْمُها جِنَّةٌ وخَبَرُها بِصاحِبِهِمْ، والجِنَّةُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يُرادُ بِها الهَيْئَةُ، كالرُّكْبَةِ والجِلْسَةِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ. والجُمْلَةُ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ التَّفَكُّرِ لِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ومَحَلُّها عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الجارِّ؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ. وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا "؛ أيْ: أكَذَّبُوا بِها ولَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما ؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحَبَتِهِمْ لَهُ ﷺ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ ﷺ عَنْ شائِبَةِ ما ذُكِرَ؛ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ وتَشْدِيدٌ لَهُ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ ﷺ، لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ والعاداتِ، لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ كَيْفَما اتَّفَقَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ومَعْنًى، أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ ﷺ شائِبَةُ الأوَّلِ، تَعَيَّنَ أنَّهُ ﷺ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وَقِيلَ: إنَّهُ ﷺ عَلا الصَّفا لَيْلًا، فَجَعَلَ يَدْعُو قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ باتَ يُهَوِّتُ إلى الصَّباحِ؛ فَنَزَلَتْ، فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ حِينَئِذٍ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى شاكِلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِحَقِيقَةِ حالِهِ ﷺ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾؛ أيْ: ما هو إلّا مُبالِغٌ في الإنْذارِ، مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ، إبْرازٌ لِكَمالِ الرَّأْفَةِ، (p-299)وَمُبالَغَةٌ في الإعْذارِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب