الباحث القرآني
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ؛ أيْ: خَلَقْنا.
﴿لِجَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها،
وَتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَثِيرًا﴾؛ أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا بِهِ، لِما في تَوابِعِهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُؤَدِّي تَوْسِيطُهُ بَيْنَهُما وتَأْخِيرُهُ عَنْها إلى الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِكَثِيرًا؛ أيْ: كائِنًا مِنهُما، وتَقْدِيمُ الجِنِّ؛ لِأنَّهم أعْرَقُ مِنَ الإنْسِ في الِاتِّصافِ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ، وأكْثَرُ عَدَدًا وأقْدَمُ خَلْقًا، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعلمه تعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ.
فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِكَثِيرًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقُلُوبٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُها وإبْهامُها مِن كَوْنِها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ، مُخالِفَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ فاقِدَةً لِكَمالِهِ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ لا بِحَسَبِ الفِطْرَةِ حَقِيقَةً، بَلْ بِسَبَبِ امْتِناعِهِمْ عَنْ صَرْفِها إلى تَحْصِيلِهِ، وهَذا وصْفٌ لَها بِكَمالِ الإغْراقِ في القَساوَةِ، فَإنَّها حَيْثُ لَمْ يَتَأتَّ مِنها الفِقْهُ بِحالٍ، فَكَأنَّها خُلِقَتْ غَيْرَ قابِلَةٍ لَهُ رَأْسًا، وكَذا الحالُ في أعْيُنِهِمْ وآذانِهِمْ.
وَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلتَّعْمِيمِ؛ أيْ: لَهم قُلُوبٌ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يَفْقَهُوا بِها شَيْئًا مِمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْقَهَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالمَقامِ مِنَ الحَقِّ ودَلائِلِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ مُخِلٌّ بِالإفْصاحِ عَنْ كَوْنِهِ حالَهم.
﴿وَلَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فِيما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ والسَّمْعِ المَنفِيَّيْنِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو وظِيفَةُ الثَّقَلَيْنِ، لا ما يَتَناوَلُ مُجَرَّدَ الإحْساسِ بِالشَّبَحِ والصَّوْتِ، كَما هو وظِيفَةُ الأنْعامِ؛ أيْ: لا يُبْصِرُونَ بِها شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ التَّكْوِينِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.
﴿وَلَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، فَيَتَناوَلُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، وإعادَةُ الخَبَرِ في الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: وأعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها، لِتَقْرِيرِ سُوءِ حالِهِمْ، وفي إثْباتِ المَشاعِرِ الثَّلاثَةِ لَهم.
ثُمَّ وصْفِها بِعَدَمِ الشُّعُورِ دُونَ سَلْبِها عَنْهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها، ولا أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها، ولا آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، مِنَ الشَّهادَةِ بِكَمالِ رُسُوخِهِمْ في الجَهْلِ والغَوايَةِ ما لا يَخْفى.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الضَّلالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ.
﴿كالأنْعامِ﴾؛ أيْ: في انْتِفاءِ الشُّعُورِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أوْ في أنَّ مَشاعِرَهم مُتَوَجِّهَةٌ إلى أسْبابِ التَّعَيُّشِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها.
﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ فَإنَّها تُدْرِكُ ما مِن شَأْنِها أنْ تُدْرِكَهُ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، فَتَجْتَهِدُ في جَلْبِها وسَلْبِها غايَةَ جُهْدِها، مَعَ كَوْنِها بِمَعْزِلٍ مِنَ الخُلُودِ، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا (p-296)كَذَلِكَ، حَيْثُ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ المَنافِعِ والمَضارِّ، بَلْ يَعْكِسُونَ الأمْرَ، فَيَتْرُكُونَ النَّعِيمَ المُقِيمَ ويُقْدِمُونَ عَلى العَذابِ الخالِدِ.
وَقِيلَ: لِأنَّها تَعْرِفُ صاحِبَها وتَذْكُرُهُ وتُطِيعُهُ، وهَؤُلاءِ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، ولا يَذْكُرُونَهُ، ولا يُطِيعُونَهُ، وفي الخَبَرِ كُلُّ شَيْءٍ أطْوَعُ لِلَّهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما مَرَّ مِن مِثْلِيَّةِ الأنْعامِ والشَّرِّيَّةِ مِنها.
﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، المُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُخَصَّ بِهِمْ الِاسْمُ ولا يُطْلَقَ عَلى غَيْرِهِمْ، كَيْفَ لا وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِن شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا مِن شُئُونِ ما سِواهُ شَيْئًا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، أصْنامَهُمُ الَّتِي هي مِن أخَسِّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى.
{"ayah":"وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡیُنࣱ لَّا یُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانࣱ لَّا یَسۡمَعُونَ بِهَاۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡغَـٰفِلُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











