الباحث القرآني
﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِدْعاءِ التَّوْبَةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، واخْتارَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مَجْرُورٌ بِمِن؛ أيْ: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ بِحَذْفِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ كَما قَوْلُهُ:
اخْتارَكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم ... واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ
أيِ: اخْتارَكَ مِنَ النّاسِ.
﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ مَفْعُولٌ لِاخْتارَ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
﴿لِمِيقاتِنا﴾ الَّذِي وقَّتْناهُ بَعْدَ ما وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، لا لِمِيقاتِ الكَلامِ الَّذِي ذُكِرَ (p-277)قَبْلَ ذَلِكَ كَما قِيلَ.
قالَ السُّدِّيُّ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَأْتِيَهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَعَدَهم مَوْعِدًا، فاخْتارَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: اخْتارَهم لِيَتُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِمّا صَنَعُوهُ، ويَسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكُوهم وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ، قالُوا: اخْتارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَزادَ اثْنانِ، فَقالَ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَتَشاحُّوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ لِمَن قَعَدَ مِثْلَ أجْرِ مَن خَرَجَ؛ فَقَعَدَ كالِبُ ويُوشَعُ، وذَهَبَ مَعَ الباقِينَ، وأمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، فَخَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الجَبَلِ غَشِيَهُ غَمامٌ، فَدَخَلَ مُوسى بِهِمُ الغَمامَ وخَرُّوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ تَعالى يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ حَسْبَما يَشاءُ، وهو الأمْرُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تَوْبَةً.
﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ مِمّا اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ الغَمامُ أقْبَلُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ أيِ: الصّاعِقَةُ، أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها؛ أيْ: ماتُوا.
وَلَعَلَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ: لَنْ نُصَدِّقَكَ في أنَّ الآمِرَ بِما سَمِعْنا مِنَ الأمْرِ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى حَتّى نَراهُ، حَيْثُ قاسُوا رُؤْيَتَهُ تَعالى عَلى سَماعِ كَلامِهِ قِياسًا فاسِدًا، فَحِينَ شاهَدَ مُوسى تِلْكَ الحالَةَ الهائِلَةَ.
﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: حِينَ فَرَّطُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، وما فارَقُوا عَبَدَتَهُ حِينَ شاهَدُوا إصْرارَهم عَلَيْها.
﴿وَإيّايَ﴾ أيْضًا حِينَ طَلَبْتُ مِنكَ الرُّؤْيَةَ؛ أيْ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا بِذُنُوبِنا لَأهْلَكْتَنا حِينَئِذٍ، أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَذْكِيرَ العَفْوِ السّابِقِ لِاسْتِجْلابِ العَفْوِ اللّاحِقِ، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والشُّكْرَ عَلى النِّعْمَةِ، مِمّا يَرْبِطُ العَتِيدَ ويَسْتَجْلِبُ المَزِيدَ، يَعْنِي: إنّا كُنّا مُسْتَحِقِّينَ لِلْإهْلاكِ، ولَمْ يَكُنْ مِن مَوانِعِهِ إلّا عَدَمُ مَشِيئَتِكَ إيّاهُ، فَحَيْثُ لَطَفْتَ بِنا وعَفَوْتَ عَنّا تِلْكَ الجَرائِمَ، فَلا غَرْوَ في أنْ تَعْفُوَ عَنّا هَذِهِ الجَرِيمَةَ أيْضًا.
وَحَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّمَنِّي يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾؛ أيِ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ شُئُونِكَ، ولا يَتَثَبَّتُونَ في المَداحِضِ، والهَمْزَةُ إمّا لِإنْكارِ وُقُوعِ الإهْلاكِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ لِلِاسْتِعْطافِ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ؛ أيْ: لا تُهْلِكْنا.
﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، واعْتِذارٌ عَمّا صَنَعُوا بِبَيانِ مَنشَأِ غَلَطِهِمْ؛ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ، وقالُوا بِسَبَبِها ما قالُوا مِنَ العَظِيمَةِ إلّا فِتْنَتُكَ؛ أيْ: مِحْنَتُكَ وابْتِلاؤُكَ، حَيْثُ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ فافْتَتَنُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَتَثَبَّتُوا، فَطَمِعُوا فِيما فَوْقَ ذَلِكَ تابِعِينَ لِلْقِياسِ الفاسِدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ الفِتْنَةِ، أوْ حالٌ مِن فِتْنَتِكَ؛ أيْ: حالَ كَوْنِها مُضَلًّا بِها ... إلَخْ؛ أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِها مَن تَشاءُ إضْلالَهُ فَلا يَهْتَدِي إلى التَّثَبُّتِ، وتَهْدِي مَن تَشاءُ هِدايَتَهُ إلى الحَقِّ فَلا يَتَزَلْزَلُ في أمْثالِها، فَيَقْوى بِها إيمانُهُ.
﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾؛ أيِ: القائِمُ بِأُمُورِنا الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وناصِرُنا وحافِظُنا لا غَيْرُكَ.
﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما قارَفْناهُ مِنَ المَعاصِي، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوِلايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن شاءَ الوَلِيُّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ. وقِيلَ: إنَّ إقْدامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يَقُولَ: " ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ ... " إلَخْ، جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها.
﴿وارْحَمْنا﴾ بِإفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْنا.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ، وتَخْصِيصُ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ.(p-278)
{"ayah":"وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِینَ رَجُلࣰا لِّمِیقَـٰتِنَاۖ فَلَمَّاۤ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِیَّـٰیَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَّاۤۖ إِنۡ هِیَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاۤءُ وَتَهۡدِی مَن تَشَاۤءُۖ أَنتَ وَلِیُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡغَـٰفِرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











