الباحث القرآني
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ تَعالى، مُنَبِّئَةٍ عَنْ كَمالِ قدرته تعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ أيْ: أنْزَلَ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن سَمْتِ السَّماءِ ماءً خاصًّا، هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ.
﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن شَأْنِها النُّمُوُّ مِن أصْنافِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، وأنْواعِهِما المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ، والخَواصِّ والآثارِ، اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الإخْراجِ، وقَدْ بُدِئَ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ، يُقالُ: شَيْءٌ أخْضَرُ وخَضِرٌ، كَأعْوَرَ وعَوِرٍ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرًا، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ؛ أيْ: نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ.
﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ هو السُّنْبُلُ المُنْتَظِمُ لِلْحُبُوبِ المُتَراكِبَةِ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وقُرِئَ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " مِنَ النَّخْلِ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ العامِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهِ ...﴾ إلَخْ.
والطَّلْعُ: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ، كَأنَّهُ نَعْلانِ مُطْبَقانِ والحَمْلُ بَيْنَهُما مَنضُودٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِنْوانٌ﴾ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أخْرَجْنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ومُخْرَجَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ.
وَمَن قَرَأ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) كانَ قِنْوانٌ عِنْدَهُ مَعْطُوفًا عَلى حَبٌّ. وقِيلَ: المَعْنى: وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ ومِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، وهو جَمْعُ قِنْوٍ، وهو عُنْقُودُ النَّخْلَةِ، كَصِنْوٍ وصِنْوانٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ، كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ، وبِفَتْحِها أيْضًا عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعْلانٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ.
﴿دانِيَةٌ﴾ سَهْلَةُ المُجْتَنى قَرِيبَةٌ مِنَ القاطِفِ؛ فَإنَّها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً يَنالُها القاعِدُ، تَأْتِي بِالثَّمَرِ لا يُنْتَظَرُ الطُّولُ، أوْ مُلْتَفَّةٌ مُتَقارِبَةٌ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِها لِدَلالَتِها عَلى مُقابَلَتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، ولِزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها.
﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "؛ أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وقُرِئَ: ( جَنّاتٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ أيْ: ولَكم (p-167)أوْ ثَمَّةَ جَنّاتٌ.
وَقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ أوْ مُخْرَجَةٌ مِنَ النَّخْلِ قِنْوانٌ، وجَنّاتٌ مِن نَباتٍ وأعْنابٍ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هَهُنا مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ، كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، لِما أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ.
﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى نَباتَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، كَما يُكْتَفى بِخَبَرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ خَبَرِ المَعْطُوفِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، وتَقْدِيرُهُ: والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، والرُّمّانَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ، ويَكُونُ المَحْذُوفُ حالَ الأوَّلِ، والمَعْنى: بَعْضُهُ مُتَشابِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ، والمِقْدارِ، واللَّوْنِ، والطَّعْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، وحِكْمَةِ مُنْشِئِها ومُبْدِعِها.
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾؛ أيِ: انْظُرُوا إلَيْهِ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ، إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وقُرِئَ: ( إلى ثُمُرِهِ ) .
﴿وَيَنْعِهِ﴾؛ أيْ: وإلى حالِ نُضْجِهِ كَيْفَ يَصِيرُ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ بِهِ، ويَكُونُ شَيْئًا جامِعًا لِمَنافِعَ جَمَّةٍ، واليَنْعُ في الأصْلِ: مَصْدَرٌ يَنَعَتِ الثَّمَرُ: إذا أدْرَكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقُرِئَ: ( يانِعِهِ ) .
﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ.
﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لَآياتٍ عَظِيمَةً أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ، وانْتِقالَها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ، يَحارُ في فَهْمِهِ الألباب، لا يَكادُ يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ، ولا يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ ضِدٌّ يُناوِيهِ، أوْ نِدٌّ يُقاوِيهِ.
{"ayah":"وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَیۡءࣲ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرࣰا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبࣰّا مُّتَرَاكِبࣰا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانࣱ دَانِیَةࣱ وَجَنَّـٰتࣲ مِّنۡ أَعۡنَابࣲ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهࣰا وَغَیۡرَ مُتَشَـٰبِهٍۗ ٱنظُرُوۤا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦۤ إِذَاۤ أَثۡمَرَ وَیَنۡعِهِۦۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكُمۡ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











