الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ آياتٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي " ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لَنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا؛ فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَهَمَّ ﷺ بِالدُّعاءِ؛ فَنَزَلَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ.
﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ، حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ.
﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ في ذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ مِنَ البَيِّناتِ، الحَقِيقَةِ بِأنْ تُقْطَعَ بِها الأرْضُ وتُسَيَّرَ بِها الجِبالُ.
﴿قُلْ إنَّما الآياتُ﴾؛ أيْ: كُلُّها، فَيَدْخُلُ فِيها ما اقْتَرَحُوهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها ولا بِشَأْنِ مِن شُئُونِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ، وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، (p-173)بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ الآياتِ، وصُعُوبَةِ مَنالِها، وتَعالِيَها مِن أنْ تَكُونَ عُرْضَةً لِلسُّؤالِ والِاقْتِراحِ.
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدِي، فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ آتِيكم بِها، وهو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى آتِيَكم بِها؛ فَلا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ، كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ حَتّى يُجابُوا بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ، خُوطِبَ بِهِ المُسْلِمُونَ إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ ﷺ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الهَمِّ بِالدُّعاءِ، وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ أنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ، وإيمانُهم مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وإنْ أُجِيبَ إلى ما سَألُوهُ.
وَ" ما " اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَرْجِعَ الإنْكارِ هو وُقُوعُ المُشْعَرِ بِهِ، بَلْ هو نَفْسُ الإشْعارِ مَعَ تَحَقُّقِ المُشْعَرِ بِهِ في نَفْسِهِ؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَبْقُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ بَسْطُ عُذْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ في تَمَنِّيهِمْ نُزُولَ الآياتِ.
وَقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ الإنْكارُ إلى الإشْعارِ والمُشْعَرِ بِهِ جَمِيعًا؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم إيمانَهم عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، حَتّى تَتَمَنَّوْا مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَيَكُونُ تَخْطِئَةً لِرَأْيِ المُسْلِمِينَ.
وَقِيلَ: " أنَّ " بِمَعْنى لَعَلَّ، يُقالُ: ادْخُلِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي اللَّحْمَ. وعَنْكَ، وعَلَّكَ، ولَعَلَّكَ، كُلُّها بِمَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ قَبْلَهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِيُشْعِرُكم مَحْذُوفٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ .
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُحَقَّقَ الوُجُودِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ.
وَقُرِئَ: ( إنَّها ) بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ حَسْبَما سَبَقَ مَعَ زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، وقُرِئَ: ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ، فالخِطابُ في " وما يُشْعِرُكم " لِلْمُشْرِكِينَ، وقُرِئَ: ( وما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ ) فَمَرْجِعُ الإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْسامِ المَذْكُورِ، مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ.
{"ayah":"وَأَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ لَىِٕن جَاۤءَتۡهُمۡ ءَایَةࣱ لَّیُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡـَٔایَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا یُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَاۤ إِذَا جَاۤءَتۡ لَا یُؤۡمِنُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











