الباحث القرآني
﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ وحَرَجٌ.
﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: تَناوَلُوا أكْلًا، أوْ شُرْبًا، فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في الشُّرْبِ أيْضًا مُسْتَفِيضٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ .
قِيلَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، قالَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم في الجَنَّةِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ ؟ (p-77)
وَفِي رِوايَةٍ أُخْرى؛ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا، وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القِمارَ ؟ فَنَزَلَتْ.
وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " ما " في " ما طَعِمُوا " عِبارَةً عَنِ المُباحاتِ خاصَّةً، وإلّا لَزِمَ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءِ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَلى عُمُومِها، مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها، والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ، إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ، بَلْ في بَعْضِهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ، بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تُقَيَّدُ إباحَةُ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، كَما هو اللّازِمُ مِنَ الأوَّلِ.
﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوْا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ.
﴿وَآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ؛ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ، أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ.
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ.
﴿وَأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ الجَمِيلَةَ المُنْتَظِمَةَ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَرّاتِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها، بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكَرُّرِ بالِغًا ما بَلَغَ، والمَعْنى: أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ ومُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، بِحَيْثُ كُلَّما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ، ثَمَّ وثَمَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طَعْمِهِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ لا دَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ، وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزٍ إذا شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها، ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ، وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ، حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ؛ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ما لَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ، فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ فِيما سَيَأْتِي بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ " إذا ما "، لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ؛ لِإثْباتِ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ في ضِمْنِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَتِهِ تَعالى، مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ، وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرِ في حَياتِهِمْ، لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ، ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ، اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ بَدَلَ الإيمانِ، إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يُتَّقى؛ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ، والشُّبُهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ.
وَقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونَظائِرِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: اتِّقاءُ الكُفْرِ، وبِالثّانِي: (p-78)اتِّقاءُ الكَبائِرِ، وبِالثّالِثِ: اتِّقاءُ الصَّغائِرِ. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ بِالمَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ.
﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أبْلَغَ تَقْرِيرٍ.
{"ayah":"لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحۡسَنُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











