الباحث القرآني
﴿فَإنْ عُثِرَ﴾؛ أيِ: اطُّلِعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ.
﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ حَسْبَما اعْتَرَفا بِهِ بِقَوْلِهِما: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ؛ أيْ: فَعَلا ما يُوجِبُ إثْمًا مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ، بِأنْ ظَهَرَ (p-91)بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما وقَعَ في سَبَبِ النُّزُولِ حَسْبَما سَيَأْتِي.
﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: رَجُلانِ آخَرانِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾، ولا مَحْظُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ وصْفِهِ الَّذِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ؛ أيْ: يَقُومانِ مَقامَ الَّذِينَ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما، ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما: مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي، بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الحَقِّ، وإبْرازِ كَذِبِهِما فِيما ادَّعَيا مِنِ اسْتِحْقاقِهِما لِما في أيْدِيهِما.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم؛ أيْ: مِن أهْلِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ.
﴿عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ؛ أيِ: الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ أيْ: بِاليَمِينِ كَما سَتَعْرِفُهُ، ومَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ؛ أيِ: اسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِها؛ لِأنَّها حَقُّهُما، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبَيْنِ وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ الأوَّلَيْنِ عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ.
وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو الأظْهَرُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، فالأوْلَيانِ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ، أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " يَقُومانِ "، أوْ مِن " آخَرانِ "، وقَدْ جُوِّزَ ارْتِفاعُهُ بِاسْتَحَقَّ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوَّلَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ.
وَقُرِئَ: ( الأوَّلِينَ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ ... إلَخْ، مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ: التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها. وقُرِئَ: ( الأوَّلِيَّيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: ( الأوَّلانِ ) .
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " يَقُومانِ " .
﴿لَشَهادَتُنا﴾ المُرادُ بِالشَّهادَةِ: اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لَيَمِينُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الاسْتِحْقاقِ، مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها.
﴿أحَقُّ﴾ بِالقَبُولِ.
﴿مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما، مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها، لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ، ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا حَقِّيَّةَ في يَمِينِهِما رَأْسًا، إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِها في الجُمْلَةِ، بِاعْتِبارِ احْتِمالِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما.
﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: ما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ، أوْ ما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما.
﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنّا إنِ اعْتَدَيْنا في يَمِينِنا لَمِنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ؛ بِسَبَبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَمِنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى النَّظْمِ الكَرِيمِ: أنَّ المُحْتَضَرَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ، فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ بِهِما أقْسَما عَلى أنَّهُما ما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ، ولا مِنَ التَّرِكَةِ شَيْئًا بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطُّلِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى كَذِبِهِما بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا تَمَلُّكَهُ مِن جِهَةِ المَيِّتِ، حَلَفَ الوَرَثَةُ وعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ.
وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ تَمِيمَ بْنَ أوْسٍ الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ، ومَعَهُما بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ، وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِذَلِكَ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ فَوَجَدا فِيهِ إناءً مِن فِضَّةٍ وزْنُهُ ثَلَثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فَغَيَّباهُ ودَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِهِ، فَأصابُوا فِيهِ الكِتابَ، فَطَلَبُوا مِنهُما الإناءَ، فَقالا: ما نَدْرِي إنَّما أوْصى إلَيْنا بِشَيْءٍ وأمَرَنا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكم (p-92)فَفَعَلْنا، وما لَنا بِالإناءِ مِن عِلْمٍ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ " يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ... " الآيَةَ، فاسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُما لَمْ يَخْتانا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ ولا كَتَما، فَحَلَفا عَلى ذَلِكَ، فَخَلّى ﷺ سَبِيلَهُما، ثُمَّ إنَّ الإناءَ وُجِدَ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ اشْتَرَيْتُهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَراهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطَلَبُوهُ مِنهُما، فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِن بُدَيْلٍ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا مِن مَتاعِهِ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُما: لا، قالا: ما كانَ لَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: " فَإنْ عُثِرَ ... " الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ، فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَدَفَعَ الإناءَ إلَيْهِما، وفي رِوايَةٍ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ، واعْلَمْ أنَّهُما إنْ كانا وارِثَيْنِ لِبُدَيْلٍ، فَلا نَسْخَ إلّا في وصْفِ اليَمِينِ، فَإنَّ الوارِثَ لا يُحَلَّفُ عَلى البَتّاتِ، وإلّا فَهو مَنسُوخٌ.
{"ayah":"فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰۤ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّاۤ إِثۡمࣰا فَـَٔاخَرَانِ یَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَیَـٰنِ فَیُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَاۤ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَیۡنَاۤ إِنَّاۤ إِذࣰا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











