الباحث القرآني
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِتارِيخِ النُّزُولِ لا ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ مِن أنَّهُمُ الخارِجُونَ إلى تَبُوكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُوافِقُهُ التّارِيخُ ولا يُساعِدُهُ الحالُ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَخَلِّفِينَ يَوْمَئِذٍ هَذِهِ الرُّخْصَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "القاعِدِينَ" أيْ: كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَتُها الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إخْلالِ وصْفِ القُعُودِ بِإيمانِهِمْ والإشْعارُ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيَأْتِي مِنَ الحُسْنى.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿القاعِدُونَ﴾ لِجَرَيانِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ أوِ اسْتِثْناءٌ وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ والضَّرَرُ: المَرَضُ أوِ العاهَةُ مِن عَمىً أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ أوْ نَحْوِها، وفي مَعْناهُ: العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ. «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ "لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ" فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: - وكانَ أعْمى- يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ كَذَلِكَ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾» إيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ وتَقْدِيمِ القاعِدِينَ في الذِّكْرِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًَا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِأنَّ صِلَتَهُ مِلْكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَفْضِيلِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاضُلِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِوائِهِما إجْمالًَا بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: فَضَّلَ اللَّهُ إلَخْ، وأمّا تَقْدِيرُ ما لَهم لا يَسْتَوُونَ فَإنَّما يَلِيقُ بِجَعْلِ الِاسْتِئْنافِ (p-221)تَعْلِيلًَا لِعَدَمِ الِاسْتِواءِ مَسُوقًَا لِإثْباتِهِ، وفِيهِ تَعْكِيسٌ ظاهِرٌ فَإنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًَا بِالذّاتِ إنَّما هو بَيانُ تَفاضُلِ الفَرِيقَيْنِ عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، وأمّا عَدَمُ اسْتِوائِهِما فَقُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ تَوْطِئَةً لِذِكْرِهِ ولامُ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لِلْعَهْدِ فَقَيْدُ كَوْنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ في الأوَّلِ كَما أنَّ قَيْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ مُعْتَبَرٌ في الثّانِي و"دَرَجَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: فَضَّلَ اللَّهُ تَفْضِيلَةً أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِدَرَجَةٍ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ. وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ مِنَ "المُجاهِدِينَ" أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ تَأْكِيدًَا لِلْوَعْدِ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لا أحَدَهُما فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ عَلى أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"رَسُولًَا" والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًَا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ واللّامُ في الفَرِيقَيْنِ مُغْنِيَةٌ لَهُما عَنْ ذِكْرِ القُيُودِ الَّتِي تُرِكَتْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"فَضَّلَ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أجَرَ، وإيثارُهُ عَلى ما هو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِهِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ التَّفْضِيلِ أجْرًَا لِأعْمالِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ أيْ: أعْطاهم زِيادَةً عَلى القاعِدِينَ أجْرًَا عَظِيمًَا. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ عَظِيمٍ.
{"ayah":"لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُو۟لِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ دَرَجَةࣰۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ أَجۡرًا عَظِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











