الباحث القرآني
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوُا النِّساءَ كَرْهًا﴾ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ قَرِيبُهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ عَلى امْرَأتِهِ أوْ عَلى خِبائِها ويَقُولُ: أرِثُ امْرَأتَهُ كَما أرِثُ مالَهُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ أحَقَّ بِها مِن كُلِّ أحَدٍ ثُمَّ إنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِلا صَداقٍ غَيْرِ الصَّداقِ الأوَّلِ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًَا وإنْ شاءَ عَضَلَها لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، وإنْ ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى أهْلِها قَبْلَ إلْقاءِ الثَّوْبِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ لَهُمْ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما تُحازُ المَوارِيثُ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ. وقُرِئَ "تَحِلُّ" بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ "أنْ تَرِثُوا" بِمَعْنى الوِراثَةِ، وقُرِئَ "كُرْهًَا" بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ وكانَ الرَّجُلُ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ حَبَسَها مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ والقَهْرِ وضَيَّقَ عَلَيْها (p-158)لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها وتَخْتَلِعَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ عَطْفًَا عَلى "تَرِثُوا" و"لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، والعَضْلُ: الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُها فَخَرَجَ بَعْضُهُ وبَقِيَ بَعْضُهُ، أيْ: ولا أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الصَّداقِ بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًَا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ إيذانًَا بِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ لِصُدُورِهِ عَنْهُنَّ اضْطِرارًَا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ ولا بِالإذْهابِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ: شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابُ مِنهُنَّ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُسْتَصْحَبًَا بِهِ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن "بَيَّنَ" بِمَعْنى: تَبَيَّنَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ بِمَعْنى تَبَيُّنْ، أيْ: بَيِّنَةِ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ وأهْلِهِ بِالبَذاءِ والسَّلاطَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ". وقِيلَ: الفاحِشَةُ: الزِّنا، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم عَضْلُهُنَّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا في حالِ إتْيانِهِنَّ بِفاحِشَةٍ أوْ إلّا في وقْتِ إتْيانِهِنَّ أوْ إلّا لِإتْيانِهِنَّ بِها، فَإنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن جِهَتِهِنَّ وأنْتُمْ مَعْذُورُونَ في طَلَبِ الخُلْعِ.
﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينَ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَهُنَّ والمَعْرُوفُ ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، و المُرادُ هَهُنا: النَّصَفَةُ في المَبِيتِ والنَّفَقَةُ والإجْمالُ في المَقالِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ وسَئِمْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَلا تُفارِقُوهُنَّ بِمُجَرَّدِ كَراهَةِ النَّفْسِ واصْبِرُوا عَلى مُعاشَرَتِهِنَّ.
﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ اسْتِلْزامِها إيّاهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ مَعَ الكَراهَةِ فَلَعَلَّ لَكم فِيما تَكْرَهُونَهُ خَيْرًَا كَثِيرًَا لَيْسَ فِيما تُحِبُّونَهُ و"عَسى" تامَّةٌ رافِعَةٌ لِما بَعْدَها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الخَبَرِ أيْ: فَقَدْ قَرَّبَتْ كَراهَتُكم شَيْئًَا وجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، فَإنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَكْرَهُ ما هو أصْلَحُ في الدِّينِ وأحْمَدُ عاقِبَةً وأدْنى إلى الخَيْرِ وتُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ؛ فَلْيَكُنْ نَظَرُكم إلى ما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ دُونَ ما تَهْوى أنْفُسُكُمْ، وذِكْرُ الفِعْلِ الأوَّلِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ وانْحِصارُ العِلِّيَّةِ في الثّانِي لِلتَّوَسُّلِ إلى تَعْمِيمِ مَفْعُولِهِ لِيُفِيدَ أنَّ تَرْتِيبَ الخَيْرِ الكَثِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَخْصُوصًَا بِمَكْرُوهٍ دُونَ مَكْرُوهٍ بَلْ هو سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى الإطْلاقِ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مادَّةٌ مِن مَوادِّها، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمِ الإرْشادِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ "وَيَجْعَلُ" مَرْفُوعًَا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - تَقْدِيرُهُ: وهو أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَجْعَلُ بِوَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وتَنْوِينُ "خَيْرًَا" لِتَفْخِيمِهِ الذّاتِيِّ، ووَصْفُهُ بِالكَثْرَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ الوَصْفِيَّةِ والمُرادُ بِهِ هَهُنا: الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ: الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ كَرۡهࣰاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُوا۟ بِبَعۡضِ مَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَـٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











