الباحث القرآني

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيْ: حَمَلَها الإنْسانُ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ بَعْضَ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يُراعُوها، ولَمْ يُقابِلُوها بِالطّاعَةِ عَلى أنَّ "اللّامَ" لِلْعاقِبَةِ فَإنَّ التَّعْذِيبَ وإنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضًا لَهُ مِنَ الحَمْلِ لَكِنْ لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ أفْرادِهِ تَرَتُّبَ الأغْراضِ عَلى الأفْعالِ المُعَلَّلَةِ بِها أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الغَرَضِ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ حَمْلِ الإنْسانِ لَها أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ؛ لِخِيانَتِهِمُ الأمانَةَ، وخُرُوجِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. وإلى الفَرِيقِ الثّانِي أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: كانَ عاقِبَةُ حَمْلِهِ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَؤُلاءِ مِن أفْرادِهِ، أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهم لِعَدَمِ خَلْعِهِمْ رِبْقَةَ الطّاعَةِ عَنْ رِقابِهِمْ بِالمَرَّةِ، وتَلافِيهِمْ لِما (p-119)فَرَطَ مِنهم مِن فُرُطاتٍ قَلَّما يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ بِحُكْمِ جِبِلَّتِهِ وتَدارُكِهِمْ لَها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ أوَّلًا؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ ثانِيًا؛ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ المُؤْمِنِينَ تَوْفِيَةً لِكُلٍّ مِن مَقامَيِ الوَعِيدِ، والوَعْدِ حَقَّهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَجَعَلَ الأمانَةَ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ مِن جِهَتِهِ تَعالى عِبارَةً عَنِ الطّاعَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ المُكَلَّفِينَ التّابِعَةِ لِلتَّكْلِيفِ، بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ، وحُمِلَ الكَلامُ عَلى تَقْرِيرِ الوَعْدِ الكَرِيمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يَجْعَلُ تَعْظِيمَ شَأْنِ الطّاعَةِ ذَرِيعَةً إلى ذَلِكَ بِأنَّ مَن قامَ بِحُقُوقِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وراعاها فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَفُوزَ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. يَأْباهُ وصْفُهُ بِالظُّلْمِ والجَهْلِ أوَّلًا، وتَعْلِيلُ الحَمْلِ بِتَعْذِيبِ فَرِيقٍ والتَّوْبَةِ عَلى فَرِيقٍ ثانِيًا. وقِيلَ: المُرادُ بِالأمانَةِ: مُطْلِقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِلطَّبِيعِيِّ والِاخْتِيارِيِّ، وبِعَرْضِها اسْتِدْعاؤُها الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ الفِعْلِ مِنَ المُخْتارِ، وإرادَةَ صُدُورِهِ مِن غَيْرِهِ، وبِحَمْلِها الخِيانَةَ فِيها، والِامْتِناعَ عَنْ أدائِها، فَيَكُونُ الإباءُ امْتِناعًا عَنِ الخِيانَةِ، وإتْيانًا بِالمُرادِ. فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْرامَ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها أبَيْنَ الخِيانَةَ لِأمانَتِها، وأتَيْنَ بِما أمَرَهُنَّ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وخانَها الإنْسانُ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِما أمَرْناهُ بِهِ، إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا. وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ هَذِهِ الأجْرامَ خَلَقَ فِيها فَهْمًا، وقالَ لَها: إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً، وخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَن أطاعَنِي فِيها، ونارًا لِمَن عَصانِي. فَقُلْنَ: نَحْنُ مُسَخَّراتٌ لِما خَلَقْتَنا لا نَحْتَمِلُ فَرِيضَةً، ولا نَبْغِي ثَوابًا ولا عِقابًا، ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرْضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ، وكانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَحَمُّلِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْها جَهُولًا بِوَخامَةِ عاقِبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأمانَةِ: العَقْلُ أوِ التَّكْلِيفُ. وبِعَرْضِها عَلَيْهِنَّ اعْتِبارُها بِالإضافَةِ إلى اسْتِعْدادِهِنَّ، وبِإبائِهِنَّ الإباءَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي هو عَدَمُ اللِّياقَةِ، والِاسْتِعْدادِ لَها، وبِحَمْلِ الإنْسانِ قابِلِيَّتَهُ، واسْتِعْدادَهُ لَها، وكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ، هَذا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ فَتَأمَّلْ. واللَّهُ المُوَفِّقُ. وقُرِئَ: (وَيَتُوبُ اللَّهُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، حَيْثُ تابَ عَلَيْهِمْ، وغَفَرَ لَهم فُرُطاتِهِمْ، وأثابَ بِالفَوْزِ عَلى طاعاتِهِمْ. قالَ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ الأحْزابِ، وعَلَّمَها أهْلَهُ وما مَلَكَتْ يَمِينُهُ، أُعْطِيَ الأمانَ مِن عَذابِ القَبْرِ».» واللَّهُ أعْلَمُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب