الباحث القرآني

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو بَدَلٌ مِن "وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ" مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، و ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًَا لِما سَبَقَ و تَنْبِيهًَا عَلى اسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقًَا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، و تَرْكُ العَطْفِ بَيْنَهُما بِناءً عَلى اتِّحادِ المُخاطَبِ وإيذانًَا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذْ يَخْتَصِمُونَ" كَأنَّهُ قِيلَ: وما كُنْتَ حاضِرًَا في ذَلِكَ الزَّمانِ المَدِيدِ الَّذِي وقَعَ في طَرَفٍ مِنهُ الِاخْتِصامُ و في طَرَفٍ آخَرَ هَذا الخِطابُ إشْعارًَا بِإحاطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ مَرْيَمَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، و القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِما مَرَّ. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "كَلِمَةٍ"، أيْ: بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ. ﴿اسْمُهُ﴾ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى الكَلِمَةِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ، و هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿المَسِيحُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِيسى﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي مَدْحًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ ما بِهِ يَتَمَيَّزُ المُسَمّى عَمَّنْ سِواهُ، فالخَبَرُ حِينَئِذٍ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ إذْ هو المُمَيِّزُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْيِيزًَا عَنْ جَمِيعِ مَن عَداهُ، و "المَسِيحُ" لَقَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مِنَ الألْقابِ (p-37)المُشَرَّفَةِ كالصِّدِّيقِ و أصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحًَا، ومَعْناهُ: المُبارَكُ. و "عِيسى" مُعَرَّبٌ مِن إيشُوعَ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِما مِنَ المَسْحِ والعَيْسِ، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ أوْ بِما يُطَهِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ أوْ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مَسَحَ الأرْضَ و لَمْ يُقِمْ في مَوْضِعٍ أوْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمْسَحُ ذا العاهَةِ فَيَبْرَأُ وبِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيَسٌ أيْ: بَياضٌ يَعْلُوهُ حُمْرَةٌ مِن قَبِيلِ الرَّقْمِ عَلى الماءِ، وإنَّما قِيلَ: ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلى أُمِّهِ، وبِذَلِكَ فُضِّلَتْ عَلى نِساءِ العالَمِينَ. ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ "الوَجِيهُ": ذُو الجاهِ و هو القُوَّةُ والمَنَعَةُ والشَّرَفُ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "كَلِمَةٍ"، فَإنَّها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لَكِنَّها صالِحَةٌ لِأنْ يَنْتَصِبَ بِها الحالُ و تَذْكِيرُها بِاعْتِبارِ المَعْنى، و الوَجاهَةُ في الدُّنْيا: النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ: الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ. ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَةِ المَلائِكَةِ، وهو عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب