الباحث القرآني
﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ أيْ: ما في بَطْنِها، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ لِما أنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي ظُهُورَ أُنُوثَتِهِ، واعْتِبارَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ إذْ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ جَوابٌ لِما أعْنِي. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ لا عَلى وضْعِ ولَدٍ ما، كَأنَّهُ قِيلَ: "فَلَمّا وضَعَتْ بِنْتًَا قالَتْ" إلَخْ... وقِيلَ: تَأْنِيثُهُ لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِالحَبْلَةِ أوِ النَّفْسِ أوِ النَّسَمَةِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اعْتِبارَ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ لا يَكُونُ مَدارًَا لِتَرَتُّبِ الجَوابِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُنْثى﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وتَأْنِيثُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى عَرْضِ ما دَهَمَها مِن خَيْبَةِ الرَّجاءِ أوْ لِما مَرَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالحَبْلَةِ أوِ النَّسَمَةِ، فالحالُ حِينَئِذٍ مُبَيِّنَةٌ وإنَّما قالَتْهُ تَحَزُّنًَا وتَحَسُّرًَا عَلى خَيْبَةِ رَجائِها وعَكْسِ تَقْدِيرِها لِما كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًَا، ولِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًَا لِلسِّدانَةِ، و التَّأْكِيدُ لِلرَّدِّ عَلى اعْتِقادِها الباطِلِ.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ تَعْظِيمٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَوْضُوعِها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَجْهِيلٌ لَها بِقَدْرِهِ، أيْ: واللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْهُ وما عَلِقَ بِهِ مِن عَظائِمَ الأُمُورِ وجَعْلِهِ وابْنِهِ آيَةً لِلْعالَمِينَ وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقُرِئَ "وَضَعَتْ" عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى لَها، أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ وما أوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وسُمُوِّ المِقْدارِ. وقُرِئَ "وَضَعْتُ" عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ إظْهارًَا لِغايَةِ الإجْلالِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنها اعْتِذارًَا إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أتَتْ بِمَوْلُودٍ لا يَصْلُحُ لِما نَذَرَتْهُ مِنَ السِّدانَةِ أوْ تَسْلِيَةً لِنَفْسِها عَلى مَعْنى لَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرًَّا وحِكْمَةً ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ، فَوَجْهُ الِالتِفاتِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ اعْتِراضٌ آخَرٌ مُبَيِّنٌ لِما في الأوَّلِ مِن تَعْظِيمِ المَوْضُوعِ و رَفْعِ مَنزِلَتِهِ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي كانَتْ تَطْلُبُهُ و تَتَخَيَّلُ فِيهِ كَمالًَا قُصاراهُ أنْ يَكُونَ كَواحِدٍ مِنَ السِّدانَةِ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها فَإنَّ، دائِرَةَ عِلْمِها وأُمْنِيَتِها لا تَكادُ تُحِيطُ بِما فِيهِ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ. هَذا عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأخِيرِ لِلْقِراءَةِ (p-29)الأخِيرَةِ فَمَعْناهُ: ولَيْسَ الذَّكَرُ كَهَذِهِ الأُنْثى في الفَضِيلَةِ بَلْ أدْنى مِنها، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لَها فَمَعْناهُ: تَأْكِيدُ الِاعْتِذارِ بِبَيانِ أنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضِيلَةِ والمَزِيَّةِ وصَلاحِيَةِ خِدْمَةِ المُتَعَبِّداتِ، فَإنَّهُنَّ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، فَـ "اللّامُ" لِلْجِنْسِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وغَرَضُها مِن عَرْضِها عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ: التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى واسْتِدْعاءُ العِصْمَةِ لَها، فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: مَعْناهُ: خادِمُ الرَّبِّ، وإظْهارُ أنَّها غَيْرُ راجِعَةٍ عَنْ نِيَّتِها وإنْ كانَ ما وضَعَتْهُ أُنْثى وأنَّها و إنْ لَمْ تَكُنْ خَلِيقَةً بِسِدانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْتَكُنْ مِنَ العابِداتِ فِيهِ.
﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "إنِّي سَمَّيْتُها" وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، أيْ: أُجِيرُها بِحِفْظِكَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في المَواضِعِ الَّتِي بَعْدَها هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ إلّا في مَوْضِعَيْنِ "بِعَهْدِي أُوفِ" "آتُونِي أُفْرِغْ".
﴿وَذُرِّيَّتَها﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ.
﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أيِ: المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًَا مِن مَسِّهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها﴾ ومَعْناهُ: أنَّ الشَّيْطانَ يَطْمَعُ في إغْواءِ كُلِّ مَوْلُودٍ بِحَيْثُ يَتَأثَّرُ مِنهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهُما بِبَرَكَةِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ.
{"ayah":"فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی وَضَعۡتُهَاۤ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّی سَمَّیۡتُهَا مَرۡیَمَ وَإِنِّیۤ أُعِیذُهَا بِكَ وَذُرِّیَّتَهَا مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ ٱلرَّجِیمِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











