الباحث القرآني

﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى كَسَرابٍ، وكَلِمَةُ "أوْ" لِلتَّنْوِيعِ إثْرَ ما مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مَعَ زِيادَةِ حِسابٍ وعِقابٍ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِظُلُماتٍ كائِنَةٍ ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ: عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ، وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ، وقِيلَ: إلى اللُّجَّةِ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ. ﴿يَغْشاهُ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْبَحْرِ، أيْ يَسْتُرُهُ ويُغَطِّيهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿مَوْجٌ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ لَمَوْجٌ، أوِ الصِّفَةُ هي الجارُّ والمَجْرُورُ، ومَوْجٌ الثّانِي فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ والكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "نُورٌ عَلى نُورٍ" أيْ: يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ صِفَةٌ لَمَوْجٌ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ وتَضاعِيفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ (p-182)السَّحابَ. ﴿ظُلُماتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي ظُلُماتٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَكاثِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ، كَما أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأُولى. وقُرِئَ بِإضافَةِ السَّحابِ إلَيْها. ﴿إذا أخْرَجَ﴾ أيْ: مَنِ ابْتُلِيَ بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرِهِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً. ﴿يَدَهُ﴾ جَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنِهِ لَيَنْظُرَ إلَيْها ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وهي أقْرَبُ شَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها. ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْدِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكَفَرَةِ كَما فُصِّلَ، وتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةَ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأيُّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم، أيْ: مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ لِنُورِهِ الَّذِي هو القرآن هِدايَةً خاصَّةً مُسْتَتْبَعَةً لِلِاهْتِداءِ حَتْمًا ولَمْ يُوقِفْهُ لِلْإيمانِ بِهِ. ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ: فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب