الباحث القرآني
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جاءَ بِها إثْرَ بَيانِ تَفَرُّدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ؛ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وحْدَهُ؛ إيذانًا بِأنَّ مِن حَقِّ العاقِلِ ألّا يَحْتاجَ إلى التَّكْلِيفِ؛ والإلْزامِ؛ بَلْ يَخْتارُ الدِّينَ الحَقَّ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ؛ وتَلَعْثُمٍ؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ؛ فَقِيلَ: مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقِيلَ: خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ حَصَّنُوا أنْفُسَهم بِأداءِ الجِزْيَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأنْصارِيٍّ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ ابْنانِ؛ قَدْ تَنَصَّرا قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ؛ ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ فَلَزِمَهُما أبُوهُما؛ وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما؛ فَأبَيا؛ فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ؛ فَخَلّاهُما؛ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ؛ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أيْ: إذْ قَدْ تَبَيَّنَ - بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِ (تَعالى) الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنها - الإيمانُ؛ الَّذِي هو الرُّشْدُ؛ المُوصِلُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ؛ مِنَ الكُفْرِ؛ الَّذِي هو الغَيُّ؛ المُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾: (p-250)هُوَ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "الطُّغْيانُ"؛ كَـ "المَلَكُوتُ"؛ و"الجَبَرُوتُ"؛ قُلِبَ مَكانُ عَيْنِهِ؛ ولامِهِ؛ فَقِيلَ: هو في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفارِسِيُّ؛ وقِيلَ: اسْمُ جِنْسٍ؛ مُفْرَدٌ؛ مُذَكَّرٌ؛ وإنَّما الجَمْعُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ لِإرادَةِ "الآلِهَةُ"؛ وهو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ وقِيلَ: هو جَمْعٌ؛ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ؛ وقِيلَ: يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والجَمْعُ؛ والتَّذْكِيرُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ أيْ: فَمَن يَعْمَلْ إثْرَ ما تَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ بِمُوجِبِ الحُجَجِ الواضِحَةِ؛ والآياتِ البَيِّنَةِ؛ ويَكْفُرْ بِالشَّيْطانِ؛ أوْ بِالأصْنامِ؛ أوْ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صَدَّ عَنْ عِبادَتِهِ؛ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ؛ ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ لِما شاهَدَ مِن نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِهِ (تَعالى) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾؛ أيْ: بالَغَ في التَّمَسُّكِ بِها؛ كَأنَّهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ؛ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ؛ والثَّباتَ عَلَيْهِ؛ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: "الفَصْمُ": "الكَسْرُ بِغَيْرِ إبانَةٍ"؛ كَما أنَّ "القَصْمُ" هو "الكَسْرُ بِإبانَةٍ"؛ ونَفْيُ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الثّانِي بِالأوْلَوِيَّةِ؛ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ؛ وإمّا حالٌ مِن "العُرْوَةِ"؛ والعامِلُ "اسْتَمْسَكَ"؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "الوُثْقى"؛ و"لَها" في حَيِّزِ الخَبَرِ؛ أيْ: كائِنٌ لَها؛ والكَلامُ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ؛ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أصْلًا؛ لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ؛ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ؛ المُنْتَزَعَةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالحَبْلِ المُحْكَمِ؛ المَأْمُونِ انْقِطاعُهُ؛ فَلا اسْتِعارَةَ في المُفْرَداتِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "العُرْوَةُ الوُثْقى" مُسْتَعارَةً لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ الَّذِي هو الإيمانُ؛ والتَّوْحِيدُ؛ لا لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ المُؤَدِّي إلَيْهِ؛ كَما قِيلَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ والِاسْتِمْساكُ بِها مُسْتَعارًا لِما ذُكِرَ مِنَ المُلازَمَةِ؛ أوْ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ الأُولى؛ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾؛ بِالأقْوالِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِالعَزائِمِ؛ والعَقائِدِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ حامِلٌ عَلى الإيمانِ؛ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ؛ والنِّفاقِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ؛ والوَعِيدِ.
{"ayah":"لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











