الباحث القرآني
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الوُدُّ: حُبُّ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ؛ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما؛ ونَفْيُهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَراهَةِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ ولَعَلَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّ القَوْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ كَثِيرًا ما كانَ يَقَعُ عِنْدَ تَنْزِيلِ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَيْرِ؛ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّ سَبَبَ تَحْرِيفِهِمْ لَهُ إلى ما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ حُصُولِ ما يَكْرَهُونَهُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ وقِيلَ: كانَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَحَبَّةً؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ فَنَزَلَتْ تَكْذِيبًا لَهم في ذَلِكَ؛ و"مِن" في (p-142)
قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾؛ لِلتَّبْيِينِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾؛ و"لا" مَزِيدَةٌ لِما سَتَعْرِفُهُ؛ ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "يَوَدُّ"؛ وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلثِّقَةِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ؛ والتَّصْرِيحُ الآتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ هو القائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ؛ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ والنَّفْيُ وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ ظاهِرًا لَكِنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ مَعْنًى؛ والخَيْرُ: الوَحْيُ؛ وحَمْلُهُ عَلى ما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِنَ العِلْمِ؛ والنُّصْرَةِ؛ كَما قِيلَ؛ يَأْباهُ وصْفُهُ فِيما سَيَأْتِي بِالِاخْتِصاصِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المَدارُ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ ابْتِدائِيَّةٌ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِتَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَشْرِيفِهِمْ؛ ولَيْسَتْ كَراهَتَهم لِتَنْزِيلِهِ عَلى المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ تَعَبُّدُهم بِما قَبْلَهُ؛ وتَعَرُّضُهم بِذَلِكَ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ مِن جُمْلَةِ مَن نَزَلَ عَلَيْهِمُ الخَيْرُ؛ بَلْ مِن حَيْثُ وُقُوعُ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى النَّبِيِّ - ﷺ؟ وصِيغَةُ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ كَراهَتِهِمْ لَيْسَ مَعْنًى خاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ بَلْ وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الكُلِّ؛ وهو الخُلُوُّ عَنِ الدِّراسَةِ عِنْدَ اليَهُودِ؛ وعَنِ الرِّياسَةِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ويَكْرَهُونَ؛ فَيَحْسُدُونَكم أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ؛ أمّا اليَهُودُ؛ فَبِناءً عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ؛ وأبْناءُ الأنْبِياءِ؛ النّاشِئُونَ في مَهابِطِ الوَحْيِ؛ وأنْتُمْ أُمِّيُّونَ؛ وأمّا المُشْرِكُونَ؛ فَإدْلالًا بِما كانَ لَهم مِنَ الجاهِ؛ والمالِ؛ زَعْمًا مِنهم أنَّ رِياسَةَ الرِّسالَةِ كَسائِرِ الرِّياساتِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ مَنُوطَةٌ بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدّاءِ أشْهَرَ؛ لا سِيَّما في أثْناءِ ذِكْرِ ابْتِلائِهِمْ بِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ وِدادَتِهِمْ لِما ذُكِرَ نَفْيُ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ لَهُ؛ فَزِيدَتْ كَلِمَةُ "لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ؛ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَتِهِ؛ وإرْغامِ الكارِهِينَ لَهُ؛ والمُرادُ بِرَحْمَتِهِ الوَحْيُ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخَيْرِ؛ وبِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلَيْهِ (تَعالى) بِالرَّحْمَةِ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِنُبُوَّتِهِ؛ خَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ؛ فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلْإنْباءِ عَنْ الِاصْطِفاءِ. وإيثارُهُ عَلى التَّنْزِيلِ؛ المُناسِبِ لِلسِّياقِ؛ المُوافِقِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ﴾؛ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِهِ ﷺ؛ وإقْناطِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ؛ والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُودِ؛ أيْ: يُؤْتِي رَحْمَتَهُ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ مِن عِبادِهِ؛ ويَجْعَلُها مَقْصُورَةً عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ الفائِضِ عَلَيْهِ؛ بِحَسَبِ إرادَتِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ تَفَضُّلًا؛ لا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ؛ وقِيلَ: الفِعْلُ لازِمٌ؛ و"مَن" فاعِلُهُ؛ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى "مَن" مَحْذُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ؛ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾؛ وأنَّ حِرْمانَ مَن حُرِمَ ذَلِكَ لَيْسَ لِضِيقِ ساحَةِ فَضْلِهِ؛ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ الجارِيَةِ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونَيْهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُسْتَقِلَّةً بِشَأْنِها؛ فَإنَّ الإضْمارَ في الثّانِيَةِ مُنْبِئٌ عَنْ تَوَقُّفِها عَلى الأُولى.
{"ayah":"مَّا یَوَدُّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِینَ أَن یُنَزَّلَ عَلَیۡكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











