الباحث القرآني
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِما مَرَّ مِنِ ازْدِيادِهِمْ في مَراتِبِ اليَقِينِ.
﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ: أطْلَعْنا النّاسَ ﴿عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ بِما عايَنُوا مِن أحْوالِهِمُ العَجِيبَةِ.
﴿أنّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعْدَهُ بِالبَعْثِ، أوْ مَوْعُودَهُ الَّذِي هو البَعْثُ، أوْ أنَّ كُلَّ وعْدِهِ، أوْ كُلَّ مَوْعُودِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ وعْدُهُ بِالبَعْثِ، أوِ البَعْثِ المَوْعُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿حَقٌّ﴾ صادِقٌ لا خُلْفَ فِيهِ، أوْ ثابِتٌ لا مَرَدَّ لَهُ؛ لِأنَّ نَوْمَهم وانْتِباهَهم كَحالِ مَن يَمُوتُ، ثُمَّ يُبْعَثُ.
﴿وَأنَّ السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ وقْتِ بَعْثِ الخَلائِقِ جَمِيعًا لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ لا شَكَّ في قِيامِها، فَإنَّ مَن شاهَدَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا تَوَفّى نُفُوسَهُمْ، وأمْسَكَها ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ حافِظًا أبْدانَها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ، ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها لا يَبْقى لَهُ شائِبَةُ شَكٍّ في أنَّ وعْدَهُ تَعالى حُقٌّ، وأنَّهُ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ، فَيَرُدُّ إلَيْهِمْ (p-215)أرْواحَهُمْ، فَيُحاسِبُهُمْ، ويَجْزِيهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.
﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ "أعْثَرْنا" قُدِّمَ عَلَيْهِ الغايَةُ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِذِكْرِها لا لِقَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" كَما قِيلَ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ التَّنازُعَ يَحْدُثُ بَعْدَ الإعْثارِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أيْ: أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ.
﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ الحَقُّ. قِيلَ: المُتَنازَعُ فِيهِ أمْرُ دِينِهِمْ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ في البَعْثِ، فَمِن مُقِرٍّ لَهُ، وجاحِدٍ بِهِ، وقائِلٍ يَقُولُ: بِبَعْثِ الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، وآخَرَ يَقُولُ: بِبَعْثِهِما مَعًا. قِيلَ: كانَ مَلِكُ المَدِينَةِ حِينَئِذٍ رَجُلًا صالِحًا مُؤْمِنًا، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ في البَعْثِ حَسْبَما فُصِّلَ، فَدَخَلَ المَلِكُ بَيْتَهُ، وأغْلَقَ بابَهُ، ولَبِسَ مِسْحًا، وجَلَسَ عَلى رَمادٍ، وسَألَ رَبَّهُ أنْ يَظْهَرَ الحَقُّ، فَألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في نَفْسِ رَجُلٍ مِن رُعْيانِهِمْ، فَهَدَمَ ما سَدَّ بِهِ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ، لِيَتَّخِذَهُ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَجَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ ما جَرى. رُوِيَ أنَّ المَبْعُوثَ لَمّا دَخَلَ المَدِينَةَ أخْرَجَ الدِّرْهَمَ لِيَشْتَرِيَ بِهِ الطَّعامَ، وكانَ عَلى ضَرْبِ دِقْيانُوسَ، فاتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ آباءَنا أخْبَرُونا بِأنَّ فِتْيَةً فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِن دِقْيانُوسَ فَلَعَلَّهم هَؤُلاءِ، فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مِن مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وأبْصَرُوهُمْ، وكَلَّمُوهم. ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ، ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الإنْسِ والجِنِّ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ، فَماتُوا. فَألْقى المَلِكُ عَلَيْهِمْ ثِيابَهُ، وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنهم تابُوتًا مِن ذَهَبٍ، فَرَآهم في المَنامِ كارِهِينَ لِلذَّهَبِ، فَجَعَلَها مِنَ السّاجِ. وبَنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا. وقِيلَ لَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ، قالَ لَهُمُ الفَتى: مَكانَكم حَتّى أدْخُلَ أوَّلًا لِئَلّا يَفْزَعُوا فَدَخَلَ فَعَمِيَ عَلَيْهِمُ المَدْخَلُ فَبَنَوْا ثَمَّةَ مَسْجِدًا، وقِيلَ: المُتَنازَعُ فِيهِ أمْرُ الفِتْيَةِ قَبْلَ بَعْثِهِمْ، أيْ: أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَذاكَرُونَ بَيْنَهم أمْرَهم. وما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ دِقْيانُوسَ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، ويَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ مِنَ الأساطِيرِ، وأفْواهِ الرِّجالِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَـ "الفاءُ" في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَقالُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ فَرَأوْا ما رَأوْا فَماتُوا، فَقالُوا: أيْ قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ ﴿بُنْيانًا﴾ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِمُ النّاسُ ضَنًّا بِتُرْبَتِهِمْ، ومُحافَظَةً عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ، كَأنَّهم لَمّا رَأوْا عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ إلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ مِن حَيْثُ النَّسَبُ، ومِن حَيْثُ العَدَدُ، ومِن حَيْثُ اللُّبْثُ في الكَهْفِ، قالُوا ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِ الخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ. وقِيلَ: هو أمْرُهُمْ، وتَدْبِيرُهم عِنْدَ وفاتِهِمْ، أوْ شَأْنُهم في المَوْتِ، والنَّوْمِ. حَيْثُ اخْتَلَفُوا في أنَّهم ماتُوا، أوْ نامُوا كَما في أوَّلِ مَرَّةٍ فَـ "إذْ" حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ وهُمُ المَلِكُ والمُسْلِمُونَ.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَقالُوا" مَعْطُوفٌ عَلى يَتَنازَعُونَ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَمِرُّ، ويَتَجَدَّدُ كالتَّنازُعِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ مُضْمَرًا، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِأعْثَرْنا فَيَأْباهُ أنَّ إعْثارَهم لَيْسَ في زَمانِ تَنازُعِهِمْ فِيما ذُكِرَ بَلْ قَبْلَهُ، وجَعْلُ وقْتِ التَّنازُعِ مُمْتَدًّا يَقَعُ في بَعْضِهِ الإعْثارُ، وفي بَعْضِهِ التَّنازُعُ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى مَعَ أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِإضافَتِهِ إلى التَّنازُعِ، وهو مُؤَخَّرٌ في الوُقُوعِ.
{"ayah":"وَكَذَ ٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ لِیَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَیۡبَ فِیهَاۤ إِذۡ یَتَنَـٰزَعُونَ بَیۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُوا۟ ٱبۡنُوا۟ عَلَیۡهِم بُنۡیَـٰنࣰاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِینَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیۡهِم مَّسۡجِدࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











