الباحث القرآني

﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قَوَّيْناها حَتّى اقْتَحَمُوا مَضايِقَ الصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الأهْلِ، والأوْطانِ، والنَّعِيمِ، والإخْوانِ، واجْتَرَءُوا عَلى الصَّدْعِ بِالحَقِّ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، وحَذارٍ، والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ. ﴿إذْ قامُوا﴾ مَنصُوبٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْتِصابُهم لِإظْهارِ شِعارِ الدِّينِ، قالَ مُجاهِدٌ: خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ أكْبُرُهم: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، فَقالُوا: نَحْنُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَقامُوا جَمِيعًا ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ضَمَّنُوا دَعْواهم ما يُحَقِّقُ فَحْواها، ويَقْضِي بِمُقْتَضاها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُما تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما، أيِ: اقْتِضاءً. وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِهِ حِينَ عاتَبَهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: هَؤُلاءِ ... إلَخْ. مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ صادِرًا عَنْهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن عِنْدِهِ ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ لَنْ نَعْبُدَ أبَدًا ﴿مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: "رَبًّا" لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ لا بِطْرِيقَ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ. ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ. أيْ: تَجاوُزٍ عَنِ الحَدِّ، أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ عَلى أنَّهُ وُصِفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وحَيْثُ كانَتِ العِبادَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْقَوْلِ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ قِيلَ: لَقَدْ قُلْنا. و "إذًا" جَوابٌ وجَزاءٌ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِهِ إلَهًا، واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا خارِجًا عَنْ حَدِّ العُقُولِ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب