الباحث القرآني
﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ﴿والأرْضَ﴾ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابَرَةَ عَلى الشُّكْرِ، والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها، وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ بِها الواضِعِينَ مَوْضِعَها الكُفْرَ، والمَعاصِيَ. وفي جَعْلِ المُبْتَدَأِ الِاسْمَ الجَلِيلَ، والخَبَرَ الِاسْمَ المَوْصُولَ بِتِلْكَ الأفاعِيلِ العَظِيمَةِ مِن خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإنْزالِ الأمْطارِ، وإخْراجِ الثَّمَراتِ، وما يَتْلُوها مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ، ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ.
﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: السَّحابِ. فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوْ مِنَ الفَلَكِ، فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَبْتَدِئُ إلى السَّحابِ، ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ النُّصُوصِ، أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى الجَوِّ فَيَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا، وأيًّا ما كانَ فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ.
﴿ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِنُزُولِهِ، أوْ لِتَشْرِيفِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أعْطاهُ السُّلْطانُ مِن خِزانَتِهِ مالًا، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، إمّا لِأنَّ صِيَغَ الجُمُوعِ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُفْرَدِها جَماعَةُ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أُدْرِكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِ فُلانٍ.
﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ لَهُ، وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ شامِلٌ لِلْمَطْعُومِ، والمَلْبُوسِ. مَفْعُولًا لِأخْرَجَ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولًا، ورِزْقًا حالًا مِنهُ. أوْ مَصْدَرًا مِن أخْرَجَ بِمَعْنى: رَزَقَ. أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ، فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ، لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكم. إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثِّمارِ، ولا جَعَلَ كُلَّ الرِّزْقِ ثَمَرًا. وخُرُوجُ الثَّمَراتِ، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقدرته، لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى (p-48)بِإضافَةِ صُوَرِها، وكَيْفِيّاتِها عَلى المَوادِّ المُمْتَزِجَةِ مِنَ الماءِ والتُّرابِ، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً، وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ. وهو قادِرٌ عَلى إيجادِ الأشْياءِ بِلا أسْبابٍ، ومَوادَّ. كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ كَذَلِكَ لِما أنَّ لَهُ تَعالى في إنْشائِها مُدَرِّجًا مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ صَنائِعَ، وحِكَمًا يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا، وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قدرته لَيْسَ ذَلِكَ في إبْداعِها دَفْعَةً، وقَوْلُهُ: "لَكُمْ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "رِزْقًا" إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ. ومَفْعُولٌ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ بِأنْ أقْدَرَكم عَلى صَنْعَتِها، واسْتِعْمالِها بِما ألْهَمَكم كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ جَرْيًا تابِعًا لِإرادَتِكم ﴿بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَةِ الَّتِي نِيطَ بِها كُلُّ شَيْءٍ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُزاوَلَةِ الأعْمالِ، واسْتِعْمالِ الآلاتِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِها المِياهُ العَظِيمَةُ الجارِيَةُ في الأنْهارِ العِظامِ كَما يُومِئُ إلَيْهِ ذِكْرُها عِنْدَ البَحْرِ فَتَسْخِيرُها جَعْلُها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِ النّاسِ، حَيْثُ يَتَّخِذُونَ مِنها جَداوِلَ يَسْقُونَ بِها زُرُوعَهُمْ، وجِنانَهُمْ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِها نَفْسُ الأنْهارِ فَتَسْخِيرُها تَيْسِيرُها لَهم.
{"ayah":"ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ رِزۡقࣰا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِیَ فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











